موقع الكاتب المصري سيد مبارك
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.


الموقع الشخصي للكاتب المصري سيد مبارك ( بث مباشر للقنوات الإسلامية - مواقع إسلامية - مكتبة إسلامية شاملة - برامج أسلامية - القرأن الكريم وعلومه)
 
الكاتب والداعيةالرئيسيةأحدث الصوردخولالتسجيل
ouuouo10.jpgouuou_10.jpgououoo10.jpgoouo_o10.jpgouuuus10.jpguoou_u10.jpguusu_o10.jpguo_ooo10.jpguooooo10.jpguu_uou10.jpg
مؤلفات الشيخ سيد مبارك أطلبها من المكتبة المحمودية بالأزهر الشريف- مكتبة أولاد الشيخ بفيصل- مؤسسة قرطبة بالهرم...مؤلفات الشيخ سيد مبارك أطلبها من المكتبة المحمودية بالأزهر الشريف- مكتبة أولاد الشيخ بفيصل- مؤسسة قرطبة بالهرم


 

 التلازم بين الشرك ونسبة الولد إلى الله سبحانه 2/الإمام الراحل محمد حامد الفقي (رحمه الله)

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الشيخ سيد مباØ
صاحب الموقع
صاحب الموقع
الشيخ سيد مباØ


عدد الرسائل : 2210
العمر : 63
العمل/الترفيه : كاتب اسلامى
تاريخ التسجيل : 07/12/2008

التلازم بين الشرك ونسبة الولد إلى الله سبحانه 2/الإمام الراحل محمد حامد الفقي (رحمه الله)  Empty
مُساهمةموضوع: التلازم بين الشرك ونسبة الولد إلى الله سبحانه 2/الإمام الراحل محمد حامد الفقي (رحمه الله)    التلازم بين الشرك ونسبة الولد إلى الله سبحانه 2/الإمام الراحل محمد حامد الفقي (رحمه الله)  Emptyيوليو 20th 2012, 2:17 pm

الأوَّلين - أنَّ محمدًا أوَّلُ خلق الله، وأنه النور الذي خُلِقت منه الأكوان، وأنَّ كل شيء إنَّما خُلِق من أجله، لا بسُنَّة الله وحِكمته ورحمته، حتَّى بَلَغ مِن كيْده وإضلاله أن يُنادي بهذا البهتان وتكذيب الله ورسوله على المنابِر والمنارات في مشارقِ الأرْض ومغاربها، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلا بالله.

وأنتَ إذا ثُبْتَ إلى رُشْدك، وخلعت رِبقةَ التقليد الأعمى، وكشَف الله عن بصيرتك حُجُبَ الجهل والعَمَه، وصقلتها بجلاء التفكُّر في آيات الله الكونية والقرآنية، فآمنت بنِعمة الله في إنسانيتك، فقدرتَها وشكرتَها كما يحبُّ ربُّكَ ويرْضَى، ثم بحثتَ الشرك والمشركين قديمًا وحديثًا مِن كتاب الله، وفي الواقِع تحتَ سمعك وبصرك، لعَرَفتَ يقينًا لا شكَّ فيه أنَّ الشرك بوَدٍّ وسُواع، ويغوث ويعوق ونسر، وبالكواكب وسدنتها، وباللات والعُزَّى ومناة، وببوذا وبرهما، وبآلهة عاد وثمود، وبآلهة اليونانيين والآشوريين، وقدماء المصريين هو بعينه الشِّرْك الواقِع تحتَ سمعِك وبصرِك بالأولياء وقُبورهم وآثارِهم، حذوَ النَّعْل بالنَّعْل، وأنَّ اختلاف أسماءِ العابدين والمعبودين لا يُغيِّر حقيقةَ هذا الشِّرْك وما تحتَه مِن أنواع العبادات الوثنيَّة وهياكلها، وطقوسها وأعيادها.

ذلك أنَّ الإنسان هو الإنسان، وأنَّ الشيطان هو الشيطان، وأنَّ الدين الحق في رسالة نُوح هو الدِّين الحق في رِسالة محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأنَّ أعداء الأنبياء هم أعداءُ الأنبياء، وعداوة الله هي عداوة الله؛ ﴿ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ [يونس:19]، ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [البقرة: 213].

وإذا تدبَّرْتَ آياتِ الشِّرك في القرآن حقَّ تدبُّرِها، ورأيتَ أنَّ الله يتبع كثيرًا من هذه الآيات تنزيهَ نفْسه سبحانه عن الولَدِ، لعرَفْتَ يقينًا لا شكَّ فيه أيضًا أنَّ أساس الشرك هو دعْوَى الولدية لله سبحانه؛ إذ يقول الله بعدَ تقريع وتهديد قريش حين منعتْ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - والمؤمنين أن يُصلُّوا في المسجد الحرام: ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ * بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [البقرة: 116 - 117]، ويقول لقريش أيضًا بعدَ أنَّ ذكَّرهم بآلائه ونِعمه التي هي مِن خلْقه وحْدَه، ومِن آثار قدرته: ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ * بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لاَ تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الأنعام: 100 - 103].

ويقول خِطابًا لمشركي قريش ومَن خلفهم: ﴿ أَلاَ إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ * هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ * قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ﴾ [يونس: 66 - 70]، ويقول: ﴿ وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا * مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا ﴾ [الكهف: 4 - 5]، ويقول: ﴿ وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ﴾ [مريم: 81 - 82]، ويقول: ﴿ لاَ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ تَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا * وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ﴾ [مريم: 87 - 95]، ويقول: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ * أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ * وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ * وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ﴾ [الأنبياء: 22 - 29].

واقرأ بعدَ ذلك آياتِه الكونيةَ، الناطقةَ بعظيم قدرته ورحمته وحْدَه لا شريكَ له؛ إذ يقول سبحانه: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ * وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ إلى أنْ قال: ﴿ قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ * بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [المؤمنون: 78 -92]، ويقول: ﴿ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا * وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا ﴾ [الفرقان: 2 - 3].

ويقول: ﴿ أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ [الصافات: 151 - 152] إلى أنْ قال: ﴿ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلاَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ ﴾ [الصافات: 158 - 163]، ويقول: ﴿ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ * لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلاَ هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ * خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ﴾ [الزمر: 2 - 6].

ويقول: ﴿ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ * قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ * سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ * وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ * وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ * وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ [الزخرف: 80 - 88].

ويقول: ﴿ وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا * وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا * وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ [الجن: 3 - 5].

ويقول في بيان استحالةِ ذلك؛ لأنَّه هو الذي فطَر السمواتِ والأرضَ، وخَلَق الأزواج من الإنسان والأنعام وما يتوالد منها، وأنَّه مُحالٌ أن يكون هو مِن جنس شيء ممَّا خَلَق، أو من جنسه شيء، حتى يصحَّ التوالد بينه سبحانه وبيْن هذا الشيء، فيتخذ إلهًا معه سبحانه: ﴿ فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [الشورى: 11 - 12].

ثم يقول بعدَ آيات بيَّن فيها أنَّ شَرْع محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - ودِينه في ذلك، وما يستتبعه مِن إخلاص الإلهية والعبادة لله وحْدَه، وأنَّه لا يُعبَد إلا بما شرَع، ولا يَتحدَّث عنه ولا عن دِينه بالحقِّ الذي يُوحَى له إلى رُسلُه، وأنَّ هذا الدين الجامع الذي يجمع الله به القلوب على عقيدة واحدة، وعمل واحد، ويأخذ بهم في شؤونهم إلى صِراطه المستقيم الواحِد، فينالون سعادةَ الدُّنيا والآخِرة ما داموا كذلك أُمَّةً واحدة، مُوحّدة بأنواع هذا التوحيد، وأنهم ما يختلفون ويَتَفَرَّقون إلا بترْكهم هذا العلمَ المُوحَى به، فيجادلون في الله بغيْرِ عِلم، بل بالظنون والأهواء والباطِل الذي يُقلِّدون فيه شُركاءَهم الذين شرَعوا لهم مِنَ الدين ما لم يأذنْ به الله.

فاسمعْ إليه سبحانه وهو يقول في هؤلاء وفي عاقبتهم في الدنيا والآخرة، وما يؤول إليه أمرُهم ولا بدَّ: ﴿ وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴾ إلى أن يقول: ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [الشورى: 16 - 21]، ثم ختَم ذلك بسورة الإخلاص التي هي في مَدْلولها ومعناها مِن توحيدِ الله الجامِع لكلِّ أنواع التَّوْحيد العِلمي والاعْتِقادي والعَمَلي: تَعْدِل ثُلُثَ مَدْلول القرآن ومعناه ومقاصِده؛ ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 1 - 4].

فاعلمْ - وفَّقني الله وإيَّاك للسداد والحكمة، والرشد في القول والعمل - أنَّ الشيطان كاد لبني آدمَ مِن قديم الزمن شرَّ كيد، ومكَر بهم أسوأ مَكْر، بما أغراهم في الله وأسمائه وصِفاته بالظنون الجاهِلة الكاذبة، والأهواء الغاوية الخاطئة، حين صَرَفهم عنِ الحقِّ الذي تعهَّد الله به الإنسان في كلِّ أطواره وأدْوارِه، بما يصطفي مِن رُسل، ويبعث مِن أنبياء يُنذِرون الناس ويُحذِّرونهم كيْدَ الشيطان، ومكْرَه وإضلاله، ويَهدونهم إلى صراطِ الله المستقيم في معرفته بأسمائه وصفاته، وآثار رحْمتِه وقُدرته وحِكمتِه، وفي إخلاص العِبادة والإسلام له وحْدَه؛ لأنَّه الكبيرُ المتعالي، القَوي العزيز، الحي القيوم، الخالِق البارئ المصَوّر، الذي له الأسماءُ الحُسْنى، والذي يُسبِّح له ما في السموات والأرض، وأنَّ كلَّ شيء في الوجود فهو خَلْقه وحْده، وهو تحت قهْره وحْده، فمِنهم مَن هدى الله ومِنهم مَن حقَّتْ عليه الضَّلالة: فأمَّا الذين هداهم الله بسُنن الفطرة وآياته الكونيَّة، التي آمنوا بها فعَرَفوا منها ربَّهم العليمَ الحكيم، ربَّ العالمين، فهم حريصون أبدًا على الاستِمْساك برِسالة المُرسَلين، قابضون بأيديهم وعاضُّون بالنواجِذ على سُنَّتهم، منتبهون لا يَغفُلون، يَقِظون لا ينامون، مهما حاول الشيطانُ أن يُنيمَهم بمَكْرِه وخديعته، أولئك على هدًى مِن ربِّهم وأولئك هم المفلحون.

وأمَّا الذين حقَّتْ عليهم الضلالة، فإنَّهم يَستنيمون للشيطان، ويُخدَعون بمكره، فيَكْفُرون بآياتِ الله الكونية في أنفسهم وفي الآفاق، ويَعْمُون عنها ويصمُّون آذانهم عن نِدائها، فتنعكِس فِطرتُهم، ويرتدُّون إلى دَرَكات البهيميَّة في أسفل سافلين، ويتولَّوْن مُدْبِرين مع مولاهم الشيطان الرجيم، يضرب بهم في بيداءِ الجهالة، ويَخْبِط بهم في ظُلمات الغي والضلالة، ويُقيم لهم مِن التخيُّلات والأوهام، ويُمنِّيهم أكذبَ الأماني، ويَعِدُهم أخسرَ العادات؛ ليبقوا على ما هم فيه مِن ضلالة، ويَستمرّ سلطانه عليهم نافذًا، وقوله فيهم مصدقًا، ودعاؤه لهم مُستجابًا، حتى تتوفَّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم، فيَنكشِف لهم حينئذ الخيالات والأوهام، والتقاليد التي كان قد حَجَب بها قلوبَهم، وقتَل بها إنسانيتَهم، وحَقَّتْ عليهم بها كلمةُ العذاب، فيقول قائلهم: ﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ [المؤمنون: 99 - 100]، ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ [الأنعام: 30].

لطالَما كاد الشيطانُ لهؤلاء وخدَعهم، حين قطعوا صِلتَهم بالعلم السماوي، وأعْرضوا عن سُنن المرسَلين، واستجابوا لهذا العدوِّ الماكر، حين أغراهم أن يُحكِّموا عقولَهم وأهواءَهم وآراءَهم في الله وأسمائه وصفاته، ودِينه وشرائعه وحقوقِه على عباده، وجَرَّهم مِن وراء ذلك إلى أنواعٍ من الزَّيْغ والكُفر والإلحاد، فقد رَكِب هذه العقولَ المعكوسة المنكوسة، واتَّخذ منها أوكارًا يبيضُ فيها ويفرخ ما نَعِقَتْ به فلاسفةُ الهند والفرس واليونان، وقدماء المصريين، وغيرهم مِن كلِّ زائغ عن الصراط السوي، مُلحِد في الله وآياته وأسْمائِه وصِفاتِه.

فلقدِ انتهزَ الشيطانُ مِنْ أولئك الفلاسفة إعراضَهم عن العِلم السماوي وكراهيتهم التي مكَّنها في قُلوبهم لرُسل الله، وما ملأ به نفوسَهم مِنَ الحِقْد والغِل على الله ورُسلِه، وكُتبِه وشرائعِه، ثم ما فُتِنوا به من الذكاء وحِدَّة الذِّهن، فأجْرَى على ألسِنتهم بعضَ الحِكَم الاجتماعيَّة، والتعاليم الأخلاقيَّة، والفنون الصناعيَّة التي أتقنوها بطول المران والمُمارَسة، وعناية وليِّهم الشيطان بهم في ذلك، بما زَيَّن لهم مِن حِذْق لدِراسة ظواهر الكَوْن، وطبقات الناس، وأوْحَى إليهم بمقدِّمات ونتائج، إلى غيرِ ذلك مما أتْقَنه أولئك الفلاسفةُ مِن نظريات، هي في الواقِع عندَ التحقيق تنتهي إلى أمورٍ بسيطة إذا كانت متعلِّقةً بظواهر الكون، واختلاف طبقات الناس، والأشياء الواقِعة تحتَ حواسِّ كلِّ الناس، وهي ميسورةٌ لكل واحد منهم، بدون هذا التعقيد الفلسفي، وبدون هذا اللَّفِّ والدوران الطويل المملّ، إذا آمَنَ الناس بسُنن الفِطرة، وآيات الله في أنفسهم وفي الآفاق، أو تَنتهي إلى أسخفِ السخف، وأجهل الجهل، وأكْفر الكفر، إذا كانتْ مُتعلِّقة بما وراء هذا العالَم المادي، ممَّا استأثر الله سبحانه بعِلمه من عالَم الغيب، في ذاتِ الله وأسمائه وصفاته، وأسرار رُبوبيته في الرُّوح، والموت وما وراءَ هذه الحياة الدنيا من شؤون الملائكة، والحساب والثواب، والآخِرة والجنة والنار.

ولكنَّه وحي الشيطان وأمانيه الكاذبة، ثم فَتَن بهم الدهماءَ وجماهيرَ العامَّة، فاتَّخذوهم أئمَّةً وقادة أوْحى إليهم أن يترفَّعوا عما يتورَّط فيه السفلةُ والدهماء، فحرَّم عليهم زِينةَ الله التي أخْرَجها لعباده والطيِّبات مِن الرِّزق، وأن يُبالغوا في إرْهاق أجسامِهم، وحِرْمانها مِن لازمات عيشها، فاتَّسموا في الناس بسِمة التنسُّك والزهد في مُتَع الدنيا وملاذِّ الحياة.

وحلُّوا مِن نفوسِ الدَّهْماء والعامَّة محلَّ الكرامة، وسَمَوْا في أعينهم، فعندئذٍ اتَّخذ منهم الشيطان مطايا لكَيْده ومكْره السيئ بهم وبالناس، إذ غرَّهم وأَوْهَمَهُم أنَّهم على شيء من الحِكمة، وأنهم مُلزَمون بإصلاح الناس، فأوْحَى إليهم أن يَبحثوا في حقيقة الله، وما هو؟ وممَّ هو؟ - سبحانه وتعالى - ولماذا لا يَسلُكون هذا الطريقَ الذي استحال على غيرِهم سلوكُه، وهم قد بلَغوا عندَ أنفسهم وعند العامَّة هذه الدرجةَ من السموِّ والمعرفة؟

فعندئذٍ أخَذ الشيطان يَضرِب بهم في متاهاتِ الجهل وفيافي الضلال، وكلَّما قَطَع بهم شوطًا خَيَّل لهم السرابَ ماءً، وأنَّه أصبح منهم قريبًا، وما زال يطوف بهم في خرباتِ الجهل، ومتاهات الهوى والبغي، وما زال العقل المنكوس، والرأي الخاطئ، حتى خرَج بهم أخيرًا بإلهٍ مِن صُنْعه، وهو مرَّةً العقلُ الأول، ومرَّة الوجود الكلي، ومرة الوجود المطلق، ومرة الهيولي الكلي، ومرة العنصر الكلي الذي انفَصَل عنه هذه الموجودات، ومرَّةً الشيء الذي لا يُوصَف بأيَّةِ صفة، ولا يُعرَف بأيِّ نوع من المعرفة إلا بنوع مِن كشْف الحُجب التي أقامها حولَ العامَّة في ظلمات هذا الجِسْم الكثيف، وتجلِّي الأرواح حين تنسلِخ من ظلمات المادَّة، وتتجرَّد من قيود البشرية، بأنواعٍ مِن الرِّياضياتِ والخلوات، وتعذيب الجسم وتجْويعه، فتَعرِفه عندئذٍ أنَّه هو هو.

ثم أوْحَى إليهم أنَّ ربَّهم الذي صنَعَه لهم بوحيه وغُروره قد فاض منه هذا الوجودُ فيضًا، وانفصَل عنه انفصالاً، بلا إرادةٍ ولا مشيئة ولا حِكمة، ففاض عنه أولاً الوجود الثاني، الذي كان منه كلُّ الموجودات بعدَ ذلك، ثم أوْحَى إليهم في كل عصر بصُورة مزخرفة لهذا الوجود الثاني بحسب ما يَرُوق لهم ويَرُوج عندهم.

فعند البَراهِمة: هو برْهما، وعند البوذيين: هو بُوذا، وعند اليهود هو يعقوب، ثم بنوه وما تناسَل منهم، وعند النصارى: هو عيسى، وعند الباطنية هو عليّ، ثم فاض هذا النُّور، أو حلَّتْ رُوحه في كَهنة براهما وبوذا، وأبناء يعقوب وأحبارهم وكَهنتهم، وفي القسِّيسين والرُّهْبان، وفي أبناء عليٍّ ومَن عبدَهم واتَّخذَهم آلهة، وفى شيوخ الصوفيَّة وأئمَّتهم.

واقرأ بتدبُّرٍ قولَ الله تعالى: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾ [المائدة: 18]، وقوله: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [التوبة: 30 - 31]، فقول الله سبحانه: ﴿ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ ﴾ واضحٌ في أنَّهم لم يخترِعوا هذه العقيدةَ الكُفرية، عقيدة بُنوَّة مقدَّسيهم لله، وإنَّما هي - كما أثبَت التاريخُ والواقع الموجود في الهِند وغيرها – عقيدةٌ وثنيَّة قديمة، وأنَّ دعوى اليهود والنصارى أنَّهم أبناء الله، وأنَّ عُزيرًا وعيسى ابنَا الله - سبحانه - إنَّما هي على معنى فيْض هذا النور، أو الرُّوح الأول، الذي حلَّ في يعقوب، ثم في العزير وأحبار اليهود، وفي عيسى، ثم في القسيسين ورُهبانهم وقِدِّيسيهم، مما يدلُّ على أنَّ الشيطان قد أوْحَى هذه العقيدةَ الوثنية مِن القديم: أنَّ قوم نوح كانوا يَعتقدونها في وَدٍّ وسُواعٍ ويغوثَ ويَعوقَ ونسْرٍ، آلهتِهم وأوليائِهم مِن موتى الصالحين؛ إذ يقولون لنُوح - عليه السلام -: ﴿ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِثْلَنَا ﴾ [هود: 27]، فماذا يَستنكِرون من نوح أن يكون بشَرًا مثلهم إلاَّ ما أوْحاه الشيطان إليهم وإلى شيوخهم وأئمَّتهم: أنَّ المقدَّسين من بني آدم الذين يتَّصلون بالله، ويجعلهم وسائطَ بينه وبين خلْقه، لا بدَّ أن يكون فيهم مِن بعض صِفات الربوبيَّة؛ يعني: الرُّوح، أو النور، الذي يجعلهم طبقةً أعلى من البشَر، وأقرب إلى الربِّ؛ لتقع هذه الوساطة على ما يَعْرِفون من وسائطِ الخلق عندَ الكُبَراء والرؤساء والملوك؛ إذ لا بدَّ أن يكون لهم مِن صِلة النَّسَب والقَرابة مِن هؤلاء الملوك والرؤساء وما يُمكنهم مِن الوساطة عندهم لِمَن دونهم مِن طبقات الناس الذين لا تكون لهم هذه الصِّلةُ والقَرابة بأولئك الرُّؤساء والملوك.

وكذلك كانتْ هذه عقيدةَ كلِّ الوثنيِّين الأوَّلين والآخِرين، فقدْ سجَّل الله في كتابه ذلك باستنكارِه أن يَبعثَ الله بَشَرًا مثلَهم رسولاً.

وعلى ذلك فلا تكون عقيدةُ البنوة قاصرةً على اليهود والنَّصارى، ولا على عيسى وعزيز، بل هي عامَّة عند كل وثني يعتقد أنَّ نورًا أو رُوحًا فاض مِنَ الله أو انفصَل عنه، فحلَّ في معبوديهم ومُقدَّسيهم؛ إذ إنَّ الولديَّة والوالدية والأُبوة والبُنوة التي يُنزِّه الله نفسَه العلية عنها كما يدلُّ القرآن بنصوصه الواضِحة - ليستْ ولديَّة وبنوَّة البَشَر، إنما هي توالُد هؤلاء المقدَّسين وانفصالهم بهذا الفَيْض من الربِّ - سبحانه وتعالى عمَّا يقول الظالِمون علوًّا كبيرًا.

فكل شيء ينفصِل عن شيء، يُقال له في اللغة: إنَّه تولَّد عنه، فالشَّجر يتوالَد، والمعادِن تتوالَد، وهذا لا يحتاج إلى برهان ولا دليل؛ لأنَّه بدهي محسوس، والذين قالوا: الملائِكة بنات الله وبيْن الجِنَّة نَسبًا ليس معنى قولِهم إلا ذلك، وأنَّها من نور الله أو رُوح فاض مِن الله، وكذلك النَّصارَى لا يقولون: إنَّ الله تزوَّج مريم كما يتزوَّج الرِّجالُ النِّساء، ثم استَوْلَدها عيسى، فإنَّ عندهم أنَّ عيسى من جِهة الناسوت ابن ليوسف النجَّار، وإنَّما هو ابنُ الله من جِهة اللاهوت؛ قال نوفل بن نعمة الله في كتاب "سوسنه سليمان": إنَّ عقيدة النَّصارى التي لا تَختلِف بالنسبة لها الكنائس أنَّ يسوع الابن الوحيد المولود مِن الآب قبلَ الدهور مِن نور الله، مولود غير مخلوق، وقال القس بوطر في رسالة سمَّاها "الأصول والفروع": بناءً على ما تقدَّم يظهر جليًّا أنَّ عبارة "الابن" لا تُشير كما فَهِم بعضٌ خطأً إلى ولادة بشريَّة، ولكنَّها تَصِف سريَّة فائقة بين أقنوم وآخَر في اللاهوت الواحِد... إلى أن قال: وأمَّا الولادة البشريَّة، فالله مُنزَّه عنها؛ ا.هـ.

فمِن هذا نعلم يقينًا أنَّ هذه البنوَّة هي بعينها بنوَّة برهما، وآلهة قوم نوح وقوم هود، وقوم صالح، وآلهة قدماء اليونانيِّين والمصريِّين، وبنوَّة ملوك اليابان وآلهتهم وآلهة الصين، وأن الذي أفَّك هذه البنوة مِن قديم الزمن هو الشيطان الذي أغْرَى اليهود، وعلَّمهم كيف يَنقُلون النصارى إلى هذه العقيدة بحِيَلِه ومَكْره، وأنَّ الشيطان لم يفتأ يُروِّج ويوحي إلى أوليائه هذه العقيدة الوثنيَّة، التي هي أقذرُ وأخبثُ عقيدةٍ شِركية إلى اليوم، مستغلاًّ جهلَ الناس وغباوتهم، وعمَى بصائرهم بالتقليد الأعْمى، الذي أعْرَضوا به عن تدبُّرِ وفَهْم كتاب الله، وهَدْي رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - مصداقًا لقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَن قبلكم، شِبرًا بشبر، وذِراعًا بذراع، حتى لو دَخَلوا جُحْر ضبٍّ لدخلتموه))[3].

والآن وقدْ بينَّا ما كاد به الشيطانُ للأمم في القديم والحديث؛ كي تكون على حذرٍ مِن مكْرِه، نعود إلى تفسيرِ الآية الكريمة:

﴿ قُضِيَ الأَمْرُ ﴾ [إبراهيم: 22]؛ أي: حَكَم اللهُ وفَصَل ما بينهم وبيْن رُسلِهم من اختلاف؛ أي: صار بحيث لا يمكن استدراكُه ولا تلافيه ولا الرجوع فيه، فإنَّ الله لا رَادَّ لحُكمه، ولا مُعقِّب لفَصْله وقضائه؛ ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ ﴾ [إبراهيم: 22] بما أقام في سُننه الكونية في خلْق السموات والأرْض والأنفُس مِن الحقِّ والعدْل، والحِكْمة البالِغة، التي لا يُمكن أن يأتيَها الباطِل ولا العبَث أو النَّقْص والعيْب مِن أي ناحية، وبما أوْحى إلى رُسله، وأنزل مِن كتبه مِن الحقِّ والعدل، والهُدى والرشد، ووَعَد فيها وضمِن لمَن اهتدى بهداهم، واستقام على صِراطهم المُستقيم مِن الفلاح والفوز بسعادةِ الدنيا والآخِرة، وتوعَّد وأنْذَر مَن تنكَّبَ صِراطَهم واتَّبع خطواتِ الشيطان مِن الخيبة والخُسران، والشقاء والهلاك، والعذاب في الدنيا والآخرة، والله - سبحانه وتعالى - يستحيلُ عليه خُلْفُ وعْده ووعيده؛ لأنَّه الله، قيوم السموات والأرْض ومن فيهن، القاهر فوق عبادِه، الحكيم الخبير، والكل تحتَ قهْره وحُكمه، وهو القوي العزيز، العليم الحكيم، سريع العِقاب، الغفور الرحيم، ولا بدَّ أن يكون - لذلك - قولُه الحق، ووعده الحق، والجَنَّة حقٌّ والنار حقٌّ، والساعة آتيةٌ لا رَيبَ فيها، وأنَّه لا بدَّ أن يبعث مَن في القبور؛ ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴾ [الحج: 62]، ﴿ وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴾ [الرعد: 31].

﴿ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ﴾: فإنَّه الذي عُرِف عنه من أوَّل أمْرِه الكذبُ والمخادَعة، والتغرير بالإنسان، والتمرُّد على الله، والفسوق عن سُننه وأمْره في الخَلْق والتكوين، والعلم والهداية والتشريع، وأنَّه لا يعتمد في كلِّ ذلك إلاَّ على الباطل وقلْب الأوضاع، وتغيير الحقائق الكونيَّة والدينيَّة، وكل الدلائل قائمةٌ على أنَّه لا يُمنِّي أولياءَه إلا أكذبَ الأماني، وأنَّه العدوُّ المبين الذي يدعو حِزبَه ليكونوا مِن أصحابِ السعير؛ ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ [فاطر: 5 - 6].

وطالَما حذَّرهم الله من كَيْدِه وسيِّئ مَكْره، فلم يسمعوا اللهَ، وألقَوْا بقُلوبهم وأنفسهم إلى هذا العدوِّ، فأَكْفَرهم بالله وآياته، ثم ها هو الله سبحانه يقصُّ عليهم يومَ تَنكشِف أغطيةُ الغرور والتقليد والغَباوة، ما سيَعْتذر به هذا العدوُّ المبين وما سيَتَنَصَّل به منهم، وممَّا أوْقَعهم فيه، ويُلقي التَّبِعة عليهم وحْدَهم؛ إذ يقول: ﴿ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ [إبراهيم: 22].

نعم، لم يكن له عليهم مِن سُلطان بأصْلِ الفِطْرة التي فَطَرهم الله الرَّؤوفُ الرحيم عليها، فلقدْ أعطاهم في أنفُسهم وفي الآفاق مِن آيات قُدْرته وحِكمته وعِزَّته ورحْمتِه، وما أَوْحَى مِن كُتب وشرائع، وعِلْم وهُدًى ما يكون لهم مِنه أقْوى حِصْن وأمْضَى سلاح، يغلبون به هذا العدوَّ في معركةِ الحياة الدُّنيا، ويَسْلَمون مِن أسْره.

لكنَّهم انْسَلخوا بالتقليدِ الأَعْمى مِن كلِّ هذه الآيات الكونيَّة والعلميَّة، وخَرَجوا مِن حِصْنهم، وألْقوا إلى عدوِّهم السَّلَمَ فأتبعهم، فكانوا مِن الغاوين، وقهَرَهم لغباوتهم وجَهْلهم وبَلادتِهم بسُلطان مَكْره وتغريره، واسْتَأْسَروا فدَعاهم بغُروره وشهواتِ بَهيمتِهم الجامِحة، فاتَّبعوا أهواءَهم وأمانيَّهم الكاذِبة، وسوء ظنِّهم بالله وآياتِه وكُتُبه ورُسله، فكانوا كالكَلْب إنْ تَحمل عليه أو تَتركْه يلهث؛ ﴿ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * سَاءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ ﴾ [الأعراف: 176 - 177].

فهل يتفكَّر في هذه الآياتِ وأخواتِها أولئك المُنسلِخون مِن آياتِ الله، المكذِّبون بها، الذين قتَلوا عقولَهم وأسماعَهم وأبصارَهم بالتَّقليدِ الأعْمى، والإخلاد إلى أرْض البهيميَّة، وهل آنَ لهم أن يَثوبوا إلى رُشْدِهم، ويَرْجِعوا إلى ربِّهم يُؤمِنون به عليمًا حكيمًا، وبكُتبِه التي أوْحَى بها للهُدى والحق، فيفهموها ويعرفوا منها ربَّهم وحقَّه في العبادة الخالِصة، ويعرفوا رُسلَه فيؤمنوا بِهم ويُعطوهم حقَّهم مِن الطاعة والاتِّباع، ويَكْفُروا بالطاغوت الذي صدَّهم عنِ الله وكُتبه ورُسله أنَّهم إنْ فعلوا ذلك تابَ الله عليهم واستخلَصَهم من أَسْر الشيطان، وأذْهَب عنهم رِجْسَه، وطهَّرهم مِن خُبثه بفضْله ورحْمته وفِقههم في دِينه وكتابه، وهداهم صِراطه المستقيم، وكانوا مِن عباد الله المخلِصين الذين آمنوا وعلى ربِّهم يَتَوَكَّلون.

﴿ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ﴾ [إبراهيم: 22]، لا أقْدِر أن أستجيبَ لصراخكم وعويلكم في النَّار وعذابِ الله، فأُخفِّفه عنكم أو أُنجيكم مِن حُكم شديد العقاب، كما أنَّكم أنتم كذلك لا تَقْدِرون، وأنْ تستجيبوا لصراخي وعويلي، فأنتم والأبعدُ في عذاب الله وشديد عقابه سواء، وقد حقَّتْ على الجميع كلمةُ الله الحق؛ ﴿ قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [ص: 84 - 85]، ﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ * مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ * وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ * قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ * فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ * فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ * فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ ﴾ [الصافات: 24 - 34].

﴿ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ ﴾ [إبراهيم: 22]، يُحاول أن يتملَّص مِن تبعة إضلالهم؛ حتى يُخفِّف عنه مِن العذاب بقَدْر ما أضلَّ مِن عباد الله، فإنَّ مَن دعا إلى سيِّئ، وأغْرى به، فعليه إثْمُه وإثم مَن عمل به إلى يومِ القيامة، لا يَنقُص من آثام أتباعه شيء، ولكن خاب وخَسِر، فإنَّما يجزيه على كُفْرِه وإفساده وإضلاله اللهُ العليم الحكيم، الذي يَجزي كلَّ نفس بما كسَبَتْ، وما هو بِظلاَّم للعبيد؛ ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾ [الأنبياء: 47].

فيصدر الحُكْم عليه وعليهم مِن الله سريعِ الحساب؛ ﴿ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [إبراهيم: 22]، وما ظلَمَهم الله في الدنيا ولا في الآخرة شيئًا، والحمد لله الذي نَطَقتْ آياتُه الكونيَّة وآيات وحيه بأنَّه الحَكَم العَدْل، اللطيف الخبير، ونادتْ بأصْرح بيان، وأرْفع نِداء، تهيب بالغافلين أن يَتنبهوا قَبل أن يأتي يومٌ لا مَرَدَّ له مِنَ الله، يومَ لا ينفع مالٌ ولا بَنونَ، إلا مَنْ أتى الله بقلْب سليم[4].

في الصحيحَيْن عنِ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا تطروني كما أَطْرَتِ النَّصارَى عيسى ابنَ مريم، فإنَّما أنا عبدُ الله ورسولُه، فقولوا: عبدُ الله ورسولُه))[5].

إنَّ النصارى إنَّما وقَعوا فيما وقَعوا فيه من الكفر بالله وبعيسى ابن مريم، وبكلِّ أنبياء الله ورُسله وكُتُبه، كغيرِهم من الذين كفَروا مِن قَبْلهم؛ بسبب غُلوِّهم في تعظيم عيسى، حتَّى خرجوا به عن دائرةِ البشريَّة إلى الرُّبوبيَّة، بدعوة بُنوته للربِّ، وإنَّما كان ذلك بما أدْخَله عليهم الشيطانُ مِن عقيدة أنَّ عيسى إذْ جعَله الله وأُمَّه آية فخَلَقه مِن أُمٍّ بدون أب - لا بدَّ أن يكونَ له خصوصية عن كلِّ البَشَر في أصْل مادته بنوعٍ ما - كما سيأتي بيانه - فأَوْحى إليه الشيطان ذلك على ألْسِنة اليهود ألدِّ أعداء عيسى، وغيرهم مِن وَثنيِّي اليونان الذين كانتْ لهم آلهةٌ ومعبودات، أوْحى إليهم الشيطانُ عبادتَها وتقديسها، كما قال الله سبحانه: ﴿ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ [التوبة: 30].

وما كانتْ هذه الآلهة المقدَّسة إلاَّ خَلْقًا مِنْ خلْق الله، زيَّن لهم الشيطانُ أنَّهم ارْتَفعوا في خَلْقهم وصِفاتهم وأحوالهم عنْ طبيعةِ الخَلْق التي طبَع الله عليها أمثالَهم الذين هم مِن جنسهم؛ وذلك لأنَّهم فيهم فيضٌ مِن نور ربِّهم، ورُوح خاصّ انفَصَل عن ربِّهم، فرفَعَهم عن درجةِ الخَلْق إلى درجةٍ قريبة من الربِّ، الذي فاض عليهم نوره، أو حلَّ فيهم رُوحه الخاص بهم، وحين تَمكَّنَ ذلك مِن قلوب الناس وعقولهم، أوْحَى إليهم الشيطانُ أن يحاولوا التعبيرَ عن هذا المعنى الخاص بأولئك المُقدَّسين، فأخذتْهم الحَيْرة في اختيارِ اللفْظ المؤدِّي لهذا المعنى: هل يقولون: إنَّه خُلِق مثل غيرهم مِن الخَلْق؟ كلاَّ.

وكيف يسيغون ذلك، وهم في اعتقادِهم قدِ ارْتَفعوا عن طبيعة الخلق، إذًا فماذا يقولون؟ أَوْحى إليهم في ظُلمة هذه الحَيْرة التي أوْقَعهم فيها مِن طريق جَهْلهم بالكُتب المنزلة والأنبياء المُرْسَلين، ومِن طريق تمرُّدهم بعقولهم الجامِحة على الله وعلى سُنَّته، وعلى حدودِ ما أوقفهم بسُنن الفِطرة عندَه، وحِرْصهم على تَخَطِّي هذه الحدود إلى الخوْض فيما يعلو عن مداركِ عقولِهم ممَّا لا سبيلَ لحواسِّهم إلى إدْراكه.

أوْحَى إليهم في وسطِ هذه الظلمات أن يُسمُّوا هؤلاء المقدسين: أبناء ربِّهم؛ لأنَّها على معنى البُنوَّة البشرية أو الحيوانيَّة، فإنَّها تكون خدعةً يَسهُل التخلُّصُ منها ببعض التفكُّرِ فيما يلحق هذه البنوَّة الحيوانية ممَّا يرونه ويحسُّونه بحواسِّهم، تَقيهم من التبدُّل والتغيُّر والفناء، فحاطَها بأوهامٍ وتخيُّلات تَزيدُهم حيرةً وضَلالاً، بما أوْحَى إليهم مِن أنها سِرُّ ارتباط هؤلاء المُقدَّسين بربِّهم؛ بسبب حلولِ النور أو الرُّوح الخاصَّة المنفصِلة عن الربِّ فيهم، على معنى يَعجِز العقلُ البشريُّ أن يَتصوَّرها أو يُحدِّد حقيقتَها، فبقيتْ سرًّا، محظور على أي إنسانٍ أن يُفكِّر في كُنهه، ورمزًا حرامٌ على أي عاقل حَلُّه.

فهي عُقدة العُقَد التي لا حلَّ لها أبدًا ولا سلامة، إلا بالبُعدِ عنها وعن مسِّها بأي تفكير، والويل كل الويل لمَن حاول ذلك.

ومِن هنا كانتْ بُنوة برهما وبوذا عندَ وثنيِّ الهِنْد والصين، وبُنوة آلهة قُدماء المصريِّين والفُرْس، والآشوريين والرومان واليونان، وغيرهم مِن قدماء الوثنيِّين، وبنوة يعقوب وعُزَيْر وأحبار اليهود وكُهَّانهم، وبُنوة عيسى ابن مريم ورهبان النصارى وقسيسهم، بل وبُنوَّة آلهة قوم نوح وقوم هود وقوم صالح، وبُنوَّة الملائكة، واللات والعُزَّى وغيرهم من آلهة العرب، وعلى أساسِ هذه البُنوة الوهمية اتَّخذوهم وسائطَ بينهم وبين ربهم؛ لأنَّهم وسط بين عامَّة الخَلْق وبين الخلق، ويدلُّك بوُضوحٍ على عقيدةِ الشِّرْك هذه ما حكَى الله وقصَّ عن كفرِ الوثنيِّين في كل أمة، وردهم على أنبيائهم، فالله يحكي أنَّ قوم نوح وغيرهم من الوثنيِّين استنكروا نُبوَّة أولئك الأنبياء؛ لأنَّهم بشرٌ مثلهم، وهذا بعيدٌ فيما يتصوَّرون؛ لأنَّ الأنبياء يقولون: إنَّهم وسطاء بيْن الله وبيْن الناس في تبْليغ العِلم والهُدَى، والحق الذي يحبُّه الله ويرْضاه مِنَ الدِّين والعقيدة، والعمل والشريعة، وهؤلاء الوثنيُّون لا يتصوَّرون الوسائطَ إلا على صورة البُنوَّة التي ارتفع إليها مُقدَّسوهم بتلك الخصائص مِن النور أو الرُّوح الخاص الذي حلَّ فيهم مُنفَصلاً عن الربِّ، فصاروا وسائطَ بين العبد والرَّبِّ، وهم يَرَوْن أولئك الرسلَ يأكلون ويمشون معهم في الأسواق، ويعيشون كما يعيش غيرُهم مِنَ البشَر، فمِن هنا جاء استِنْكارُهم، وقولهم لكلِّ رسول: ﴿ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِثْلَنَا ﴾ [هود: 27]، وقولهم: ﴿ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ ﴾ [هود: 27]، فهذا الفضْلُ هو ما توهَّموه لمقدَّسيهم من الزِّيادةِ في النور أو الرُّوح الفائض عليهم مِن الله - سبحانه وتعالى عمَّا يقولون علوًّا كبيرًا.

وترى ذلك واضحًا في الآيات التي يُنزِّه الله فيها نفْسَه سبحانه عن هذا النقصِ والعيب الذي تنقَّصوه به، باعتقادِهم وعبادتهم لأولئك الأنداد والآلهة، الذين اتَّخذوهم مِن دونه، فاسمعْ إليه سبحانه إذ يقول في السُّور المكية التي يُبطِل فيها ويَهدِم عقيدةَ الوثنيَّة في العرَب: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ * إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ * فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ * بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الأنعام: 95 - 103].

ويقول: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ * فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ ﴾ إلى قوله:﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾ إلى قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [يونس: 28 - 57]؛
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://sayedmobark.yoo7.com
 
التلازم بين الشرك ونسبة الولد إلى الله سبحانه 2/الإمام الراحل محمد حامد الفقي (رحمه الله)
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
 مواضيع مماثلة
-
» التلازم بين الشرك ونسبة الولد إلى الله سبحانه 1/الإمام الراحل محمد حامد الفقي (رحمه الله)
» التلازم بين الشرك ونسبة الولد إلى الله سبحانه 3 /الإمام الراحل محمد حامد الفقي (رحمه الله)
» فلا تجعلوا لله الأنداد/الإمام الراحل محمد حامد الفقي (رحمه الله)
» الهوى يهوى بصاحبه إلى أتعس عاقبة بقلم الإمام الراحل محمد حامد الفقي (رحمه الله) مؤسس جماعة أنصار السنة المحمدية
» نظرات في فاتحة الكتاب/ محمد حامد الفقي

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
موقع الكاتب المصري سيد مبارك :: مكتبة المقالات الشرعية والعلمية :: مقالات في التوحيد والعقيدة-
انتقل الى: