موقع الكاتب المصري سيد مبارك
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.


الموقع الشخصي للكاتب المصري سيد مبارك ( بث مباشر للقنوات الإسلامية - مواقع إسلامية - مكتبة إسلامية شاملة - برامج أسلامية - القرأن الكريم وعلومه)
 
الكاتب والداعيةالرئيسيةأحدث الصوردخولالتسجيل
ouuouo10.jpgouuou_10.jpgououoo10.jpgoouo_o10.jpgouuuus10.jpguoou_u10.jpguusu_o10.jpguo_ooo10.jpguooooo10.jpguu_uou10.jpg
مؤلفات الشيخ سيد مبارك أطلبها من المكتبة المحمودية بالأزهر الشريف- مكتبة أولاد الشيخ بفيصل- مؤسسة قرطبة بالهرم...مؤلفات الشيخ سيد مبارك أطلبها من المكتبة المحمودية بالأزهر الشريف- مكتبة أولاد الشيخ بفيصل- مؤسسة قرطبة بالهرم


 

 مكافحة الإسلام للجريمة -إبراهيم سند إبراهيم أحمد الشيخ 1

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الشيخ سيد مباØ
صاحب الموقع
صاحب الموقع
الشيخ سيد مباØ


عدد الرسائل : 2210
العمر : 63
العمل/الترفيه : كاتب اسلامى
تاريخ التسجيل : 07/12/2008

مكافحة الإسلام للجريمة -إبراهيم سند إبراهيم أحمد الشيخ  1 Empty
مُساهمةموضوع: مكافحة الإسلام للجريمة -إبراهيم سند إبراهيم أحمد الشيخ 1   مكافحة الإسلام للجريمة -إبراهيم سند إبراهيم أحمد الشيخ  1 Emptyمارس 5th 2012, 6:02 am

مكافحة الإسلام للجريمة




المقدِّمَة

إِنَّ الحَمْدَ لله نَحْمِدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَهْدِيه،
نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ
أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلل فَلا
هَادِىَ لَهُ، أَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلاَّ الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ
لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَالصَّفْوَةَ
مِنْ خَلْقِهِ وَحَبِيبُهُ.



وبعد:

فإِنَّهُ رغبةً مِنِّى فى الاشتراك فى مسابقة موقع الألوكة، فقد كتبت هذا البحث وعنوانه: "مكافحة الإسلام للجريمة".



وقد قسَّمتُ بحثى إلى مبحثين هما:

المبحث الأول: الإسلام والجريمة.

وقد تناولت فيه المنهج الإسلامى وحرصه
على مكافحة الجريمة، والحكمة من أهداف وتشريع الحدود فى الإسلام، ودور
الحدود الشرعيَّة فى القضاء على الجريمة، ثُمَّ وضَّح البحث خطورة تعطيل
الحدود الشرعِيَّة فى انتشار الجرائم والمعاصى.



المبحث الثانى: الجرائم وعقوبتها الإسلاميَّة:

وقد تناولت فيه العقوبة الإسلاميَّة لكل جريمة من الجرائم السبعة: "الردة، القتل، السرقة، القذف، الزنا، الحرابة، الخمر"
وتناولت الحكمة من تشريع كل عقوبة إسلاميَّة لكل جريمةٍ من هذه الجرائم،
ثم جاءت بعد ذلك توصيَّات البحث، ثمَّ ثبت بالمصادر والمراجع التى استعنت
بها، مرتَّبة ترتيباً هجائيَّاً (ألف بائى).



وبعد؛ فهذا
نهاية جُهدى، فإن أصبتُ فذلك توفيقٌ من الله، وإن تعثَّرتُ فذاك من نفسى،
وحسبى أنَّنى حاولتُ واجتهدتُ، وما توفيقى إلاَّ بالله عليهِ توكَّلْتُ
وإليْهِ أُنيبُ، ربَّنا لاتُؤاخِذنا إنْ نسينا أو أخْطَأْنا ، وآخر دعوانا
أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلِّى اللهُمَّ على سيدنا محمد وعلى آلِهِ
وأصحابِهِ، ومن اهتدى بهديِهِ وسار على نهجِهِ إلى يومِ الدين.



والله أسأل التوفيق، وهو حسبى ونعمَ الوكيل



المَبْحَثُ الأَوَّلُ

الإِسْلامُ وَالجَرِيمَة: المَنْهَجُ الإِسْلامِى لِمُكَافَحَةِ الجَرِيمَةِ

يحاربُ الإسلامُ الجرائم؛ لأنَّهُ يفترض
أنَّ الإنسانَ يجب أن يعيش من طريق شريف، وأن يحيا على ثمرات كفاحه وجهده
الخاص، أى أنَّهُ لا يبنى كيانه على الجريمة[1]،
والإسلام لا يعتبر أى فعلٍ من الأفعال جريمة إِلاَّ مافيه ضرر محقق للفرد
والجماعة، ويظهر هذا الضرر فيما يمس الدين، أو العرض، أو النفس، أو النسل،
أو المال، وما يترتَّبُ على ذلك من فسادٍ وإخلالٍ فى المجتمع[2].




والإسلامُ يستهدفُ حمايةَ أعراضِ
النَّاس، والمحافظة على سمعتهم، وصيانة كرامتهم، ويظلُّ الإسلامُ دائِماً
أبداً وفيَّاً لمبدئِهِ القاضى بتنظيفِ البيئة وقاية من الفتنة والجريمة،
وابتغاء صياغة مجتمع بلا مشاكل، وفى سبيل ذلك تتبَّع الإسلامُ أسباب
الفتنة فحذَّر منها[3].




وقد تميز الإسلام بمنهجه الفريد في مكافحة الجريمة واستئصالها من جذورها من خلال خطين متلازمين ومتوازيين، وهما:

1- الجانب الوقائي.

2- الجانب العلاجي.



أَمَّا الجَانِبُ الوِقَائِي:

فإِنَّ الإسلام لاينتظر وقوع الجريمة
حتى يتصدى لها، وإنما يتخذ لها كل الإجراءات والتدابير، وما من شأنه
الحيلولة دون وقوع الجريمة.




وَأَمَّا الجَانِبُ العِلاجِي:

فهو
لايكون إلاَّ فى نهاية الأمر، والحق أن الإيمان والعبادات والأخلاق في
الإسلام تمثل المنطلقات الأساسية في صياغة الإنسان المسلم الصالح الطاهر
العفيف في بناء الحياة والحضارة الراشدة، فالمؤمن لا يسرق ولا يكذب ولا
يشرب الخمر؛ لأَنَّ إيمانَهُ يردعه ويصده عن فعل المحرمات.




وكذلك الطاعة والعبادة التي يقوم المسلم
بأدائها، تَصُدُّهُ عن الوقوع في الإثم والمعصية، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ
الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ﴾[4]،
ويقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ
الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَتَّقُونَ﴾[5]، وصاحب الخلق الحميد تمنعه أخلاقه من اقتراف المعاصي والآثام.




وإِذا تبيَّن أنَّ الإنسان أصبح مصدر
عدوان على البيئة التى كفلته وآوته، وأنَّهُ قابل عطفها وعنايتها بتعكير
صفوها، وإقلاق أمنها، فلا ملام على هذه البيئة إذا حدَّت من عدوان أحد
أفرادها، فكسرت السلاح الَّذى يؤذى به غيره[6]؛
لأنَّ الإسلام يسعى الى بناء العقيدة في النفوس وغرس الأخلاق الفاضلة،
ويعتمد الإسلام على المجتمع في الوقوف أمام كل أشكال الجريمة والانحراف
ومحاربتها والحيلولة دون وقوعها أو تمادي أصحابها، وذلك بإنكار المنكر
والفساد، ومقاطعة أهل الجريمة والعدوان.



وقد احترم الإسلامُ حقَّ الملكيَّة،
واعتبره حقَّاً مقدَّساً، لا يحلُّ لأحدٍ أن يعتدى عليه بأىِّ وجهٍ من
الوجوه، ولهذا حرَّم الإسلامُ السرقة، والغصب، والربا، والغش، وتطفيف
الكيل والوزن، واعتبر كل مال أُخِذَ بغيرِ سبب مشروع فهو أكلٌ للمالِ
بالباطل[7].




فالإسلام
يوفر العيش الكريم والعمل الشريف ويرعى الفقراء والمساكين قبل أن يقيم حد
السرقة أو يقطع الأيدي، كما يأمر بغض البصر، وينهى عن الخلوة بالأجنية،
وعدم الاختلاط، ويمنع كل صور العري والعلاقات المشبوهة، ويأمر بالحجاب
والسترة، ويسهل سبل الزواج قبل إقامة حد الزنى من خلال التشريعات
الإسلاميَّة للجريمة.




ومن أهم ملامح الجانب الوقائي إصلاح الجاني،
وفتح أبواب التوبة أمامه على مصراعيها، وعدم تيئيسه من رحمة الله، وحثه
على الإقلاع والندم، وعدم التمادي في الباطل، وبديهى أنَّ الإسلام يكره
الجريمة، ويتوعَّدُ عليها بالنكال فى الدنيا والآخرة، ويتهدَّدُ أقواماً
يرتكبونها سِرَّاً ثُمَّ يبرزون للنَّاسِ، وكأنَّهم أطهارٌ شرفاءٌ[8]،
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانَاً
أَثِيمَاً يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُون مِنَ اللهِ﴾[9].




إن التربية الإسلامية المستمرة بالحكمة
والموعظة الحسنة ثم التوعية المستمرة بالجريمة وأخطارها من كافة الجهات
المعنية، وأيضاً سد الأبواب والمنافذ التي تؤدي إلى اقتراف الجريمة، ثم
إقامة العقوبة الشرعيَّة الرادعة، كل هذه الخطوات تؤدِّي الى مكافحة
الجريمة وتنقية المجتمع من أخطارها، وبذلك فقد تكفَّلت التشريعات
الجنائيَّة الإسلاميَّة على عاتقها عبء مكافحة الجريمة والتصدي لها؛ حماية
للمجتمع من أن يقع فريسة لها بمختلف أنواعها.



وهناك حقَّان متميِّزان ترعاهما الشَّريعةُ الإسلاميَّة هما:

• حقُّ المخطئ فى فرصةٍ يتوب فيها، ويستأنف مسلكاً أنظف.

• وحقُّ المجتمع فى صيانة كيانه من نزوات العميان، وتخبُّطه الَّذى يصيب الأبرياء والغافلين.


والإسلام يرعى الحقَّين كليهما، فأمَّا
حق المخطئ فى التوبة، فليس فى الأرض دين يُيَسِّرُ المتابَ للخاطئين،
ويدفعهم إليه دفعاً كدين الإسلام، ولكن ما العمل إذا تحوَّل امرؤٌ إلى
كلبٍ مسعور، فأصبح تركه حُرَّاً لا يزيده إِلاَّ ضَراوةً، ولا يَزيدُ
المجتمع به إِلاَّ شَقاوةً، إِنَّ عقاب مثل هذا لا مناص منه[10].




حِرْصُ الإِسْلامِ عَلَى مُكَافَحَةِ الجَرِيمَةِ:

إِنَّ الجريمة سلوك شاذ، يهدد أمن
الأفراد، واستقرار المجتمعات، ويقوض أركان الدول والبلاد، وأحكام الشريعة
الإسلامية الغراء بعدلها القويم، ومبادئها الشاملة تدور حول صيانة
الضرورات الأساسيَّة التى لا يستطيع الإنسان أن يستغنى عنها، ويعيش
بدونها، وقد وضعت الشريعة الإسلاميَّة فى سبيل المحافظة على هذه الكليات
عقوبات زاجرة وأليمة لكل من يتعدَّى عليها، وينتهك حرمتها[11].




والإسلام باعتباره دين صلاح وإصلاح قد
تصدى للظاهرة الإجراميَّة، وحرص الإسلام على الوقاية من الجريمة، وحاربها
بطرق متعددة، وعلى مستويات مختلفة، وفاق بذلك كل النظم الوضعيَّة في الحد
والإقلال من الجريمة، وإحدى الطرق التي اتَّبعها الإسلامُ في ذلك هي وضعه
لنظام العقوبة.



وَالعُقُوبَاتُ الشَّرْعِيَّةُ:
هى عقوبات رادعة، وهى خير من أن يودع هؤلاء المجرمون في السجون؛ للتعوُّد
على الجريمة والازدياد من الخبرة فيها، ولينفق عليهم من النفقات الطائلة،
ويقام عليهم الحراس الذين يأخذون الرواتب الباهظة، دون أن يرتدعوا ودون أن
يتعلموا ويتعلم من سواهم ضرر جريمتهم، وهذه العقوبات تعرف باسم "الحدود"
و"التعزيزات"، وهذه الحدود تمنع الجرائم، وتردع المجرمين عن اقترافِ
الجرائم.



الحِكْمَةُ مِنْ تَشْرِيعِ الحُدُودِ فِى الإِسْلامِ:

ليس المراد بالحدود التشفى، وإيقاع الناس
فى الحرج، وتعذيبهم بقطع أعضائهم، أو قتلهم، أو رجمهم، وإنما المراد هو أن
تسود الفضيلة وتُمنعُ الجريمة، ويعيش الناس فى استقرارٍ وهدوءٍ وأمن، ومن
هنا نجد أنَّ الشرع ييسر فى هذه الحدود، فإذا اشتدت الظروف فى حالاتِ
الجوع والخوف والحاجة تُعطل الحدود، كما فعل سيدنا عمر بن الخطاب ـ رضى
الله عنه ـ فى عام الرمادة.



ومن التيسير أيضًا أن الإسلام يأمر
بالستر قبل الوصول إلى الحاكم فقد رُوْىَ أَنَّ رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال لرجلٍ يشهد على الزنا: "لو سترته بثوبك كان خيرًا لك"[12].




وَالحِكْمَةُ مِنْ تَشْرِيعِ الحُدُودِ فِى الإِسْلامِ تتمثل في:

• منع الناس من اقتراف الجرائم.

• زجرهم عن المخالفات.

• إبعادهم عن الإفساد في الأرض.

• حملهم على فعل ما فيه الصلاح.



فالحدود فى الإسلام إنما هى زواجر تمنع
الإنسان المذنب أن يعود إلى هذه الجريمة مرة أخرى، وهى كذلك تزجر غيره عن
التفكير فى مثل هذه الفعلة وتمنع من يفكر فى الجريمة من ارتكابها، وهى
أيضًا نكال "مانع" من وقوع الجريمة على مستوى الفرد، وعلى مستوى الجماعة، "والعقوبات
على الجرائم إنما جعلت زاجرة ومكفرة، فإنَّها زاجرة عن أن ترتكب المعاصى،
وإذا نفذت فى الجانى إنما كفرت عنه ذنبه الذى اقترفه، فلا يعاقب عليه فى
الآخرة"[13].




ولم تُشَرَّعُ العقوبه بهدف الانتقاممن المجرمين، وإنما لها أهداف وغايات عظيمة ومنها:

1- حفاظ على المصالح الأساسية للمجتمع وهي: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، وهى ما تُعرَفُ بـ "الكليات الخمس".

2- ردع المجرم عن ارتكاب جريمته، فعندما يرى العقوبة فإنه من المؤكد أَنَّهُ سيرتدع عنها مرة أخرى.

3- ردع
غير المجرم عن تقليد المجرم في جريمته، فعندما يرى كل من تُسَوِّلُ له
نفسه ارتكاب جريمة ما حلَّ بمجرم آخر ارتكبها قبله فإنه سيخاف ويرتدع عن
ارتكابها حتى لا يلحق به من العقوبة ما لحق بغيره.

4-
تهذيب نفس المجرم وإصلاحه، فليس المقصود من العقوبة مجرد الانتقام من
المجرم، أو مجرد إلحاق الأذى به، بل يقصد اصلاحه وتحقيق مصلحته.



أَهْدَافُ العُقُوبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ:

أَوَّلاً: التَّطْهِيرُ:

رض الله سبحانه وتعالى الحدود في
الإسلام؛ لتكونَ مطهرات للذنوب التي ارتكبها أصحابها وعوقبوا عليها، وهذه
الكفارة مطلوبة عند المسلم الذي يخاف عقوبة الله في الآخرة، وكذلك هي
ماحية للذنب عند الله سبحانه في الآخرة.



ثَانِيَاً: الزَّجْر:

الحكمة الثانية التي من أجلها شرع الله
الحدود في الإسلام هي الزجر أعني ردع المجرم نفسه عن معاودة الجرم، وكذلك
ردع غيره إذا رأى العقوبة وعاين جزاء الجرم، ويظهر الزجر والردع فى مقدار
الألم الذى تُحدثه العقوبة فى المجرم، وما تسببه له من فقدان حريته، أو
بعض أعضائه، ولا شكَّ أنَّ فقده هذه الأشياء يؤلمه، ويخيفه، فيمتنع من
الإجرام إِذا ما سوَّلت له نفسُهُ الإجرام، وزيَّنَ لهُ الشَّيطانُ مخالفة
حدود الإسلام[14].




ولذلك فرض الله في عقوبة الزنا أن يشهدها
طائفة من المؤمنين كما قال تعالى: ﴿لزَّانِيَةُ وَالزَّانِى فَاجْلِدُوا
كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةً وَلا تَأْخُذُكُمْ بِهِمَا
رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ
الآخِر وَلْيَشْهَد عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾[15].




أى: لا تأخذكم بهما رقة ورحمة فى حكم
الله تعالى فتخففوا الضرب، أو تنقصوا العدد، بل أوجعوهما ضرباً، فلا
تعطلوا حدود الله، ولا تأخذكم شفقة بالزناة، فإنَّ جريمة الزنى أكبر من أن
تستدر العطف، أو تدفع إلى الرحمة[16].



وهذه الشهادة لعقوبة المجرم وهو يُقامُ
عليه الحد من أقوى عوامل الردع والزجر عن الجريمة والمعصية، وقد أثبتت
المشاهدات، والاستقراء على أنَّ الحدود الشرعيَّة ما طبقت في مكان ما إلا
وقتلت الجريمة في مهدها وأمن الناس على أموالهم ودمائهم وأعراضهم،
والعقوبة إذا قصُرت عن أن تؤدي مفعولها في زجر المجرمين عن أن يتمادوا
بجرمهم، فسيكون ذلك مدعاة لانتشار الجريمة بما تؤدي إليه من انتشار الخوف.



ثَالِثَاً: القِصَاصُ:

الحكمة الثالثة من العقوبات الشرعية هي
القصاص، ومعنى القصاص أن نأخذ من الجاني بقدر جنايته فالنفس بالنفس،
والعين بالعين، والأنف بالأنف، والسن بالسن والقصاص عادل، وجزاء مكافئ
تماماً للجريمة فليست نفس الجاني ولا عينه بأعز وأغلى من نفس وعين المجني
عليه.



رَابِعَاً: العَدْلُ:

ويظهر العدل فى أنَّ العقوبة بقدر
الجريمة، قال الله تعالى: "وجزاء سيِّئَةٍ سَيِّئةٌ مِثْلهَا"، فليس فيها
زيادة على ما يستحقه المجرم[17].



تَطْبِيقُ الحُدُودِ رَحْمَةٌ لِلْبَشَرِ مِنْ انْتِشَارِ الجَرَائِمِ:

إنَّ شدة العقوبات فى الإسلام إنما هى
الرحمة كلها، وإنَّما هى صيانة لحقوق الإنسان؛ لأنَّنَا إذا طبَّقناها فى
رجل أو رجلين، أو إمرأة أو امرأتين فإنَّنا حفظنا بذلك حقوق الملايين،
وذاك الذى طبقت فيه العقوبة إنَّما هو الذى أضرَّ بحقوقه، وهو الذى أهان
نفسه، فلا يلومنَّ إلاَّ نفسه [18].



ويحاول البعض من أعداء الإسلام أن يصوروا
تطبيق الحدود على أنه تعذيب وقسوة وتنكيل، وهم حين يفكرون في ذلك الأمر،
يفكرون في منظر تقطيع اليد، أو الجلد أو الرجم لمن أتى حدًا من حدود الله،
ويتناسون نهائيا الأضرار التي نجمت عن ارتكابهم الحدود، من أموال الناس
التي انتهبت، والتي ربما تسببت في فقر أصحابها، أو هتك الأعراض، واختلاط
الأنساب، وفساد المجتمع.



أليس من الأنفع للمجتمع أن تقطع يدٌ كلَّ
عام، ويشيع الأمن بين الناس، ويطمئن الناس على أموالهم وأعراضهم، بدلا من
إشاعة الخوف في نفوسهم وقلوبهم من أولئك الذين يرتكبون جرمًا في حق أنفسهم
قبل أن يرتكبوا جرمًا أعظم في حق الناس.



ثم إن الناظر إلى تطبيق الحدود يعلم أن
هذا التطبيق يمنع ارتكابه وتكرره مرة أخرى، وإن إقامة الحدود في عهد
الرسول وعهد الخلفاء الراشدين لم يتعد حدود أصابع اليدين، ثم إن اللين لا
يجدي في كل موقف من المواقف، بل القسوة والشدة لهما أثرهما في الإصلاح
أحيانا كثيرة.



آثَارُ إِقَامَةِ الحُدُودِ:

لإقامة الحدود بركات كثيرة نذكر منها:
الحد من انتشار الجريمة، واستتاب الأمن، وحلول الخير والبركة، عن أبى
هريرة رضى الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حَدٌّ
يُعْمَلُ بِهِ فِى الأَرْضِ خَيْرٌ لأَهْلِ الأَرْضِ مِنْ أَنْ يُمْطَرُوا
أَرْبَعِينَ صَبَاحَاً" [19].



وقد ظهر أثر الأخذ بهذا التشريع الإسلامى
فى البلاد التى تطبقه واضحاً فى استتاب الأمن، وحماية الأموال، وصيانتها
من أيدى العابثين، والخارجين عن الشريعة والقانون.



فإقامة حدود الله فيها نفع للناس؛
لأنَّها تمنع الجرائم، وتردع العصاة، وتكفُّ من تُحدِّثُهُ نفسُهُ بانتهاك
الحرمات، وتحققُ الأمنَ لكلِّ فردٍ، على ماله، ونفسه، وعرضه، وسمعته،
وكرامته، وكل عملٍ من شأنِهِ أنْ يُعطِّلً إِقامة حدود الله فهو تعطيل
لأحكام الله، ومحاربة له؛ لأنَّ ذلك من شأنه إقرار المنكر، وإشاعة الشر [20].



القَضَاءُ عَلَى الجَرَائِمِ بِإِقَامَةِ الحُدُودِ الشَّرْعيَِّةِ:

إِنَّ إقامة الحدودوأعني بها العقوبات
الشرعية هي من أكبر أسباب زيادة الخيرات والبركات فقطع يد السارق يعني
المحافظة على الأموال وخروجها من المخابىء ليعمل بها في التجارات
والزراعات والصناعات؛ لأن صاحب رأس المال جبان -كما يقولون- فإذا توفرت له
الحماية خرج، وإذا انتشرت اللصوصية والظلم اختبأ، أو هرب، ولا شكَّ أيضاً
أن قتل القاتل ردع عن هذه الجريمة المسببة لخراب العمران، وتقطيع أوصال
المجتمعات.



وتنفيذ حد الزنا يقطع دابر البغاء،
وإنفاق الأموال في غير وجهها، ويقطع الطريق على إنجاب أولاد الزنا الذين
هم آفة المجتمعات، فالطفل الذي ينشأ لا يعلم له أباً يمتلئ قلبه بالحقد
والكراهية للمجتمع، ولا شك أنه يظلم الناس إذا وجد الفرصة لذلك، ولهذا كان
عامة المنحرفين والمجرمين من هؤلاء، فالله سبحانه وتعالى حين سنَّ لعباده
قانون العقوبات هو أعلم بمن سنَّ لهم، فلولا أنّه يعلم أنَّ العقوبة تحقق
للفرد الأمن، وللمجتمع الاستقرار لما شرَّع لهم هذه الحدود، ولما وضع فى
تشريعه الخالد هذه العقوبات الزاجرة، وما هى فى الحقيقة إلا علاج ناجح،
وبلسم شاف لتطهير المجتمع من إجرام المفسدين، ومن غدر الخائنين، ومن ظلم
المستبدين.



وفى تطبيقات الخلفاء لقانون العقوبات
الإسلاميَّة عبر العصور أكبر شاهد على انحسار الجرائم الاجتماعيَّة عن
المجتمع الإسلامى، ونادراً ما نسمع عن حادثة قتل، أو وقوع سرقة، أو انتهاك
عرض، أو تجرع خمرة، أو الدعوة الصريحة السافرة إلى عقيدة باطنيَّة، أو
مبدأ هدَّام.... ماذا؟!



لأنَّ عين الدولة ساهرة، والحدود
الشرعيَّة مطبَّقة، والتعاون على إزالة المنكر قائم، والأخذ على يد
المفسدين متحقق، بل كان القاضى فى هذه العصور – ولا سيَّما عصر الراشدين –
يجلس على منصَّة القضاء سنتين ولم يحتكم إليه اثنان؛ لأنَّ المجرم الذى
يريد أن يرتكبَ الجريمة إذا لم يكن عنده من الإيمان الذى يردع، والخشية من
الله التى تزجر، فإنَّه كان يحسب ألف حساب للعقوبة الزاجرة التى فرضها
الإسلام، فكان يكف عن القتل لعلمه أنَّهُ سيُقتل، ويكف عن السرقه؛ لعلمه
أنَّه ستُقطع يده، ويكفُّ عن الفاحشة؛ لعلمه أنَّه سيُرجم أو يجلد، ويكف
عن الدعوة إلى الإلحاد وعقائد الكفر؛ لعلمه أنه سيعدم، وهكذا يكفُّ عن
جميع الجرائم الاجتماعيَّة لما يتحسَّبه من عقوبةٍ رادعة، وأخذ بالذنب كبير[21].



فالشريعة الإسلامية شريعة عامة لكل زمان
ومكان، والناس مختلفون فى ضبط نفوسهم، فلابُدَّ من وجود عقاب رادع يضبط
أصحاب النفوس الضعيفة من الوقوع فى الجرائم، حتى يسلم المجتمع من الفساد
ظاهرًا وباطنًا.



خُطُورَةُ تَعْطِيلِ حُدُودِ اللهِ:

إن تعطيل حدود الله هو حرب لله في أرضه،
ومنازعة لرسوله - صلى الله عليه وسلم - في أمره، وإشاعة للفواحش والمنكرات
بين الناس، وإذاعة للإجرام، ولأنواع الانتهاكات التي يتضرر بها جميع
الناس، قال مجاهد: "لا تعطِّلوا حدود الله، ولا تتركوا إقامتها شفقة ورحمة [22].



ورسول الله - صلى الله عليه وسلم
- لمَّا قام أسامة بن زيد يكلمه فى أمر المرأة التى سرقت؛ ليُعطِّل فيها
رسول الله حد السرقة غضب منه الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد
روي أنَّ قريشاً أهمتها أمر المرأة المخزوميَّة التي سرقت فقالوا: من يكلم
فيها رسول الله؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله؟
فكلم أسامة بن زيد رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال له النبى: "أتشفع
في حد من حدود الله؟ ثم قام رسول الله فخطب النَّاس، وقال: "يا أيُّها
الناس إنَّما ضل من كان قبلكم أنَّهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، و إذا
سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أنَّ فاطمة بنت محمد سرقت
لقطعت يدها"[23].



فإقامة حدود الله له
أثر كبير في أن تسود الفضيلة في المجتمع مما يترتب عليه اختفاء الجريمة
بين الناس، وانتشار الأمن والأمان، وإذا كان العالم اليوم يشكو من السرقة
التي استفحل أمرها، ومن حوادث الاغتصاب التي باتت تهدد كل فتاة، ومن حوادث
القتل التي لا تكاد تأمن منها نفس، فمن لهذا العالم يخرجه من الفساد إلا
نظام الله وقانونه الذي ما إن يُطَبَّق في مجتمع ما تطبيقاً عادلاً حتى
تستقر الأوضاع، ويأمن الناس، وينقطع دابر الشر والفساد، وتختفى الجرائم من
المجتمع.



ويستطيع أي عاقل منصف ينظر إلى الشريعة
الإسلاميَّة ومنهجها في الزجر عن الفساد في الأرض واستئصال دابر الجريمة،
وكيفيَّة إقامة العدل بين الناس أن يصل إلى يقين بأن ترك هذه الشريعة يعني
زرع الفساد في الأرض، وما انتشرت العصابات الإجراميَّة إِلاَّ نتيجة
للتهاون فى العقاب، والاتجاه فى التربية نحو اللين والتسامح، وعدم أخذ
المجرمين بالعلاج الحاسم، والعقوبة الرادعة، والشدة الزاجرة الصارمة.



إِنَّ
الإسلام لا يُشَدِّدُ فى العقوبة إِلاَّ بعد تحقيق الضمانات الوقائيَّة
المانعة من وقوع الفعل، ومن توقيع العقوبة إلاَّ فى الحالات الثابتة التى
لا شبهةَ فيها، فالإسلام منهج حياة متكامل لا يقوم على العقوبة، إِنَّما
يقومُ على توفير أسباب الحياة النظيفة، ثُمَّ يُعاقبُ بعد ذلك من يدع
الأخذ بهذه الأسباب الميسرة، ويتمرَّغُ فى الوحلِ طائِعاً غير مضطر[24].



خُطُورَةُ انْتِشَارِ الجَرَائِمِ وَالمَعَاصِي:

إنَّ انتشار الإجرام بين الناس مؤذن بخطر
عظيم، فهو مقتضٍ لحصول مقت الله سبحانه وتعالى وسخطه، وإذا حل المقت فإن
العقوبة ستكون شاملة.



وقد أخرج ابن ماجة في سننه وأحمد في المسند والحاكم في المستدرك بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمر
رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا معشر
المهاجرين! أعيذكم بالله أن تدركوا خمساً: ما نقص قوم المكيال والميزان
إلا أخذوا بالسنين، وجور السلطان ونقص المئونة، وما نقض قوم عهد الله
وميثاقه إلا سلط عليهم عدواً من سواهم فأخذ بعض ما في أيديهم، وما منع قوم
زكاة أموالهم إلا منعوا المطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، وما
ظهرت الفاحشة في قوم فأعلنوا بها إلا ظهرت فيهم الأمراض التي لم تكن فيمن
مضوا من أسلافهم، وما حكم قوم بغير ما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم
بينهم".



فهذه جرائم تتعلق بها عقوبات وشؤم في هذه
الدنيا؛ فإذا انتشرت فوبالها وعقوبتها ستشمل الصالح والطالح؛ ولهذا يجب
على المسلمين أن يتعاونوا على مكافحة هذه الجرائم والوقوف في وجهها.



أَسْبَابُ الإِجْرَامِ:

بين لنا النبي -صلى الله عليه وسلم -
أَنَّ الإجرام سببه نقص الإيمان؛ ولهذا قال رسول الله صَلَّى اللهُ عليْهِ
وسلَّم: "لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا
يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ"[25].



ومِنْ أَسْبَابِ الإِجْرَامِ:

أن يغفل الإنسان عن الله تبارك وتعالى
لحظة ارتكاب الجريمة، فتغلبه شهوته فيقع فيما حرم الله عليه لا نكراناً
ولا جهلاً، ولكنه يفعل ذلك غفلة ونسياناً؛ فتزدريه النفس الأمَّارة
بالسوء، ويقوده الشيطان الذي لا يقوده إلاَّ إلى ما يهلكه، وحينئذ يتبع
هواه فيتردى في الوحل وينساق وراء الشهوات، فيكون كالحيوان البهيمي ينساقُ
وراء شهواته وجرائمه.



المَبْحَثُ الثَّانِى


الجَرَائِمُ وَعُقُوبَتُهَا الإِسْلامِيَّة


الرِّدَّةُ فِى مُصْطَلَحِ
الشَّرْعِ:الردة تعنى الخروج عن الإسلام إلى الكفر، ولا تتحقَّقُ
الرِّدَّةُ فى شخصٍ إِلاَّ إِذا توافر فيه أربعة شروطٍ هى[26]:

1 – أن يكون مسلماً، إِذ إِنَّ أحكام الرِّدَّة لا تنطبقُ على غير المسلمين.

2 – أَنْ يكونَ عاقِلاً، فإنّ َالمجنون لا وزن لأفعاله؛ ولأنَّ العقلَ هو أساس التَّكليف.

3 – أن يكون بالغاً، فإنَّ الصبىَّ لا تعتبر أفعاله، ولا يتعلَّقُ به تكليف.

4 – الاختيار، أى: لا بُدَّ لكى تتحقَّقُ الرِّدَّةُ فى شخصٍ ما أن يكون مختاراً فى رِدَّتِهِ عن الإسلام.




حَدَّ الارْتِدَادِ:

حَدُّ الارتداد عن الإسلام: القتل
إن أصرَّ المرتَدُّ على: ترك الدين، أو الإلحاد بعد الاستتابة، وإذا
قُتِل: لا يُغسَّل ولا يُكَفَّنُ، ولا يُصلَّى عليه، ولا يُدْفَنُ فى
مقابر المسلمين [27].



والأصل فى هذه العقوبة ما روي أنَّ رسول
الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "لا يَحِلُّ دَمُ امرِئٍ
مُسْلِمٍ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاث: الثَّيِّبُ الزَّانِى، أى: المتزوج
الزانى، والنَّفْسُ بالنَّفْسِ، والتَّارِكُ لِدِينِهِ المُفَارِقُ
للجَمَاعَةِ" [28].



وعن معاذ بن جبل رضى الله عنه أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال له لما أرسله إلى اليمن: "أَيَّمَا رَجُلٍ
رْتَدَّ عَنِ الإِسْلامِ فَادعه، فَإِنْ عَادَ، وَإِلاَّ فَاضْرِبْ
عُنَُقَهُ، وَأَيُّمَا إِمْرَأَةٍ ارْتَدَّتْ عَنِ الإِسْلامِ فَادْعِهَا،
فَإِنْ عَادَتْ وَإِلاَّ فَاضْرِبْ عُنُقَهَا" [29].



فعقوبة الردة هي القتل بعد استتابة
المرتد، ولاشكَّ أنَّ الشريعة عاقبت بذلك؛ لأنَّ هذه الجريمة تقع ضد
الدين، فمن ارتد عن دين الإسلام جزاؤه أن يضرب عنقه بالسيف، فقد رُوى
أَنَّ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "مَنْ بَدَّلَ
دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ" [30] ، فدين الإسلام جاء بأقصى العقوبة لمن دخل فيه، ثُمَّ خرج وارتدَّ عنه وكفر، وتلك العقوبة إِنَّما هى القتل.



مُشَاهَدَةُ المُجْرِمِ حِينَ العُقُوبَة:

وتكون العقوبة أمام جمعٍ من النَّاس؛
لأنَّهُ إذا كان الإنسان لا يشهد هذه العقوبة ولا يراها واقعياً، فكل من
زيَّنَ له شيطانُهُ أن يرتدَّ عن الدين وجد ذلك أمراً سهلاً سائغاً بين
الناس، لكن إذا رأى أن من بدَّل دينه يُقْتَلُ عياناً جهاراً بين الناس،
فهذا رادع ومقتضٍ من الناس ألا يبدِّلوا دينهم، ولا يرتكبوا هذه الجريمة
الفاحشة.




عَدَالَةُ الإِسْلامِ فِى حَدِّ الرِّدَّةِ:

إِنَّ الخروج عن الإسلام والارتداد عنه
إِنَّما هو ثورةٌ عليه، والثورة عليه ليس لها من الجزاء إلاَّ الجزاء الذى
اتفقت عليه القوانين الوضعيَّة فيمن خرج على نظام الدولة وأوضاعها
المقررة، إنَّ أىَّ إنسان إذا خرج عن نظام الدولة فإنَّهُ يتَّهمُ
بالخيانة العظمى لبلاده، والخيانة العظمى جزاؤها الإعدام، فالإسلام فى
تقريره عقوبة الإعدام للمرتدين منطقى مع نفسه، ومتلاقٍ مع غيره من النُّظم
الوضعيَّة [31].



قُدْسِيَّةُ الحَيَاةِ:

حقُّ الحياة حق مقدَّس، لا يحلُّ لإنسانٍ
انتهاك حرمته، ولا استباحة حماه، لأنَّ الله تبارك وتعالى يقول فى كتابه
العزيز، وهو أصدق القائلين: "وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ
اللهُ إِلاَّ بالحَقِّ" [32]
، والحق الذى تزهق به النفوس هو ما فسَّره رسول الله صلى الله عليه وسلم
فى قوله عن ابن مسعود رضى الله عنه: "لا يحل دم امرئٍ مسلمٍ إِلاَّ بِإحدى
ثلاث: الثَّيِّب الزَّانى، والنَّفس بالنَّفس، والتَّارك لدينِهِ المفارق
للجماعة" [33]
، ويقول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ
نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْاً كَبِيرَاً﴾[34].




ومن حرص الإسلام على حماية النفوس، أنَّهُ هدَّد من يستحلها بأشدِّ العقوبة فقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ
يَقْتُلْ مُؤْمِنَاً مُتَعَمِّدَاً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمَ خَالِدَاً
فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابَاً
عَظِيمَاً﴾[35]،
فهذه الآية تقرر أنَّ عقوبةَ القاتل فى الآخرة العذاب العظيم الدائم،
والخلود فى جهنَّم، والغضب، واللعنة، والعذاب العظيم؛ ولهذا قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: "لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ
قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِغَيْرِ حَقٍّ"[36].




وعن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه أنَّ
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ
وَأَهْلَ الأَرْضِ اشْتَرَكُوا فِى دَمِ مُؤْمِنٍ لَأَكَبَّهُم اللهُ فِى
النَّارِ"، ومن أبلغ ما يتصور به فى التَّشنيع على القتلة أنَّ الإسلام
اعتبر القاتل لفردٍ من الأفراد، كالقاتل للأفراد جميعاً، وهذا أبلغ ما
يتصور من التشنيع على ارتكاب هذه الجريمة النكراء، يقول الله تعالى: ﴿أَنَّهُ
مَنْ قَتَلَ نَفْسَاً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الأَرْضِ
فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعَاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا
أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعَاً﴾[37].




حَدُّ قَتْلِ النَّفْسِ:

حَدُّ قَتلِ النَّفْسِ هو: القتل إذا كان القتل عمداً؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿يَاأَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُم القِصَاصَ فِى القَتْلَى الحًرُّ
بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأنْثَى بِالأنْثَى﴾[38]، إلى أن قال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾[39]، وهذه العقوبة مقررة فى جميع الشرائع الإلهيَّة[40]، فالقاتل يُقْتَل، ومادام قد تعمَّد إزهاق روح برئ فإنَّ إفقاده الحياة قصاص عدل، ولا مكان لطلب الرحمة به[41].




الحِكْمَةُ مِنْ تَشْرِيعِ القصَاصِ:

وقد شرَّع الله سبحانه وتعالى القصاص،
وإعدام القاتل؛ انتقاماً منه، وزجراً لغيره، وتطهيراً للمجتمع من الجرائم
التى يضطرب فيها النظام العام، ويختل معها الأمن.



والقصاص حياة للطرفين: حياة للذي يريد
القتل؛ لأنه إذا تذكَّر أنه سيقتل لن يقدم على القتل، وكذلك فالقصاص حياة
للمقتول الذي كان سيقتل؛ لأن قاتله إذا علم أنه سيقتل به لم يقتله، ففيه
حياة للطرفين معاً.



ولم تفرق الشريعة بين نفس ونفس، فالقصاص
حق، سواء أكان المقتول كبيراً أم صغيراً، رجلاً أم إمرأة، فلكل حق الحياة،
ولا يحل التَّعرض لحياته بما يفسدها بأى وجه من الوجوه، وحتى فى القتل
الخطأ، لم يَعْفِ الله تعالى القاتلَ من المسئوليَّة، وأوجب فيه العتق
والدية، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ
لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنَاً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ
مُؤْمِنَاً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ
إِلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾[42].




وهذه العقوبة الماليَّة إِنَّما أوجبها
الإسلام فى القتل الخطأ؛ احتراماً للنَّفس، حتى لا يتسرب إلى ذهن أحد
هوانها؛ وليحتاط الناس فيما يتَّصِلُ بالنُّفُوسِ والدِّماء، ولتسد ذرائع
الفساد؛ حتى لا يقتل أحدٌ أحداً، ويزعم أنَّ القتل كان خطأ[43]،
وأغلب المجرمين يعتدون على حقِّ الحياة؛ لأنَّهُم ذاهلون عن الثمن الَّذى
يدفعونه حتماً، ولو علموا أنَّهم مقتولون يقيناً إِذا قتلوا غيرهم
لتردَّدُوا وأحجموا[44].




فشَّرع الإسلام القصاص فى القتل لمكافحة
جريمة القتل؛ لأنَّ الإنسان لو علم أنَّه سيُقتَل فى تلك الجريمعة الشنعاء
لما أقدم على تلك الجريمة، ولتردَّد فى فعلته هذه، وأحجم عن جريمة القتل،
فالإسلام ما شرَّع الحدود والعقوبات إلاَّ لمكافحة الجرائم.



اهْتِمَامُ الإِسْلامِ بِالمَالِ:

لقد اهتمَّ الإسلام بالمال؛ لأنَّهُ عصب
الحياة، وجعل الإسلامُ الاعتداء على المال بأى وجه من الوجوه، وأخذ المال
بالطريق غير المشروع إِنَّما هو أكل لأموال الناس بالباطل، ومن أجل ذلك
حرَّم الإسلام الاعتداء على أموال الآخرين[45]،
وما دام الإسلام يُقِرُّ ملكيَّة الفرد المشروعة للمال، فإِنَّهُ يحميها
بتشريعه القانونى، وتوجيهه الأخلاقى أن تعدو عليه يد العادين غصباً، أو
سرقةً، أو احتيالاً[46].




حِرْصُ الإِسْلامِ عَلَى الأَمْنِ وَالأمَانِ:

ولكى يشيع الأمن، ويطمئنُ كلُّ إنسانٍ،
فقد شرَّع الله شرائع كثيرة، من أهمها حد السرقة، والسرقة جريمة جديرة
بالمطاردة والاستئصال، ووجودها قلق فى المجتمع، فكيف إذا شاعت وانتشرت؟!.




لك أن تتصوَّر عاملاً يكدح طوال الشهر
يسعى على أهله وولده، قبض مرتَّبهُ، الذى يرقبه بشوقٍ، وعاد إلى بيته، وهو
يفكِّرُ فى سداد الثغرات الكثيرة التى تنتظره، ولكن يداً آثمة إمتدَّت فى
الطريق إلى ماله فسرقته، ماذا يقول؟ وماذا يفعل؟ وكيف يترك هذا اللص يحصد
فى لحظاتٍ حصاد الآخرين فى أيَّامٍ طوال، لا ريبَ أَنَّ المجتمع المحترم
يجب أن يتخلص من هؤلاء، وأن يرصد لهم العقوبة التى تقطع دابرهم، وتروِّعُ
قريبهم وبعيدهم[47].




تَعْرِيفُ السَّرِقَةُ:

هى أخذ مال معصوم، على وجه الخفية والاستئثار، بدون وجه حق، على وجه الاختفاء، سواء أكان نقدياً أم عينيَّاً[48].




حَدُّ السَّرِقَةِ:

حد االسرقة هو: قطع يد السارق لقول الله
تبارك وتعالى: "السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهِمَا
جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللهِ واللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"[49]،
والسارق إذا سرق فقطعت يمينه، أمام الناس وعلقت في رقبته، وطيف به بين
الناس، فإن هذا مدعاة للابتعاد عن هذه الجريمة بالكلية وللحفاظ على أموال
الناس.



بِمَ تَثْبُتُ السَّرِقَةُ؟[50]

تثبت السرقة بأحد أمرين:
اعتراف السارق الصريح المباشر بأنَّهُ سرق، اعترافاً حرَّاً دون ضغط من
ضرب، أو تهديد، أو نحوه، وشهادة رجلين عدل، يشهدان أنَّهُ سرق.



شُرُوطُ القَطْعِ[51]:

لا تقطع يد من أخذ شيئاً من مال غيره إلا بشروطٍ هى:

• أن يكون مكلَّفاً، فإن كان صبيَّاً، أو مجنوناً فأخذ شيئاً لا تقطع يده.

• أن يكون قد سرق مختاراً لا مكرهاً.

• أن لا يكون له فى المال الذى أخذه شبهة ملك، فإن كانت له فيه شبهة ملك فإنَّهُ لا يعتبر سارق.

• أن
يبلغ المسروق النصاب، والنصاب الذى تقطع به يد السارق هو: ربع دينار من
الذهب، أو ثلاثة دراهم من الفضة، أو ما تساوى قيمته ربع دينار أو ثلاثة
دراهم من الأمتعة والأدوات المستعملة وغيرها، فعن عائشة رضى الله عنها
قالت: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: "لا تُقْطَعُ يَدُ
السَّارِقِ إِلاَّ فِى رُبْعِ دِينارٍ فَصَاعِدَاً"[52].

• أن لا يكون السارق مضطراً لسد جوعته، حيث لم يجد من الطعام الحلال شيئاً يأكله.



الحِكْمَةُ مِنْ قَطْعِ يَدِ السَّارِقِ:

إِنَّ اليدَ التي تمتد خفية إلى أموال
الآخرين وقد كفل لها الدين الأمن والسلامة والعدل والإنصاف، لا شك أنها يد
آثمة تستحق القطع، ولا شك أن عنصر الخوف من القطع وازع عظيم يحدُّ من
انتشار الجريمة فى المجتمع، ويعمل على استئصال جريمة السرقة حتى تنتهى من
المجتمع.



وقد شدَّد الإسلامُ فى جريمةِ السرقة،
فقضى بقطع يد السارق التى من شأنها أن تباشر السرقة، وفى ذلك حكمة بيِّنة؛
إذ أن اليد الخائنة بمثابة عضو مريض يجب بتره ليسلم الجسم، والتَّضحية
بالبعض من أجل الكل ممَّا اتَّفقت عليه الشَّرائع والعقول، كما أنَّ فى
قطع يد السارق عبرة لمن تحدِّثه نفسه بالسطو على أموال الناس، فلا يجرؤ أن
يمد يده إليها، وبهذا تحفظ الأموال وتُصانُ[53].




إنَّ اليد التى تُقْطَع هى اليد التى
ظلمت المجتمع، لا اليد التى ظلمها المجتمع، والبلاد التى نفذت قطع يد
السارق هدأت أحوالها، وسادتها طمأنينة كاملة، وأغناها قطع يد واحدة عن فتح
سجون كثيرة يسمن فيها المجرمون، ثُمَّ يخرجون أشد ضراوة، وأكثر قساوةً
وإجراماً[54]،
وقد أثبت التطبيق العملى لهذه العقوبة كفاءتها فى التَّقليل من سلوك
السرقة إلى حدٍّ لا يُذكرُ إِذا قُورِنَ عدد جرائم السرقة فى الفترة ما
قبل التَّطبيق الحديث للشريعة الإسلاميَّة، وبين عدد هذه الجرائم منذ أكثر
من 20 عاماً حتَّى الآن[55].




والأيدي القليلة التي قُطِعَتْ في
الإسلام بهذه الجريمة حفظت من الأموال والدماء والأعراض ما يفوقها ملايين
المرات، ودين يقطع الأيدي الخائنة من مجتمعه جدير بالتعظيم والإجلال.



أما الشرائع التي تضع الأيدي الخائنة في
مستوى المسئوليَّة وتُؤَمِّنُها على الأعراض والأموال لا شكَّ أنها شرائع
فاسدة، ونحن نعيش الآن في عالم يظهر فيه كل يوم فضيحة سياسيَّة في قمة
السلطة، وهذه الفضائح ليست أخلاقيَّة فقط بل وماليَّة أيضاً، وهذه الجرائم
لا تمثل إلا جانباً يسيراً فقط من جوانب الفساد الحقيقيَّة المنتشرة في
هذا العفن والفساد، والذي يسمى بالحضارة الحديثة.


حِمَايَةُ الإِسْلامِ لِلْمَالِ بِوَجْهٍ عَام:

حمى الإسلامُ المال بالحدود، فجعل حد
السَّرقة، وهو قطع اليد لمن اعتدى بالسَّرقة على المال، وجعل حدَّ الحرابة
لمن جاوز السَّرقة إلى القتل[56]، والإسلامُ يُحرِّمُ على المرء أن يحصُلَ على المال دون مجهودٍ يبذُلُهُ فى أداء عملٍ مفيدٍ للمجتمع؛ إِذ إنَّ هذا نوعٌ من السَّرقة[57]، تزيد من انتشار الفقر والحاجة بين المجتمع.....يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://sayedmobark.yoo7.com
 
مكافحة الإسلام للجريمة -إبراهيم سند إبراهيم أحمد الشيخ 1
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
 مواضيع مماثلة
-
»  مكافحة الإسلام للجريمة إبراهيم سند إبراهيم أحمد الشيخ 2
» لمختصر الأسنى للقواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى (PDF) د. إبراهيم بن فهد بن إبراهيم الودعان
» مصطلحات في العقيدة الإسلامية/أحمد إسماعيل إبراهيم التل
»  المتون العلمية المحاضر: الشيخ عبدالعزيز بن إبراهيم بن قاسم
» لوجودية والعبث وانتفاء الحياء في الأدب: إبداع فني أم سقوط فكري وأخلاقي د. أحمد إبراهيم خضر

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
موقع الكاتب المصري سيد مبارك :: مكتبة الدرسات و الأبحاث الشرعية والعلمية :: ابحاث ودراسات طبية وعلمية-
انتقل الى: