الموقع الشخصي للكاتب المصري سيد مبارك ( بث مباشر للقنوات الإسلامية - مواقع إسلامية - مكتبة إسلامية شاملة - برامج أسلامية - القرأن الكريم وعلومه)
 
الكاتب والداعيةالرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثدخولالتسجيل
ouuouo10.jpgouuou_10.jpgououoo10.jpgoouo_o10.jpgouuuus10.jpguoou_u10.jpguusu_o10.jpguo_ooo10.jpguooooo10.jpguu_uou10.jpg
مؤلفات الشيخ سيد مبارك أطلبها من المكتبة المحمودية بالأزهر الشريف- مكتبة أولاد الشيخ بفيصل- مؤسسة قرطبة بالهرم...مؤلفات الشيخ سيد مبارك أطلبها من المكتبة المحمودية بالأزهر الشريف- مكتبة أولاد الشيخ بفيصل- مؤسسة قرطبة بالهرم


شاطر | 
 

 عز العبودية وذل الحرية /إيهاب كمال أحمد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الشيخ سيد مباØ
صاحب الموقع
صاحب الموقع
avatar

عدد الرسائل : 2210
العمر : 57
العمل/الترفيه : كاتب اسلامى
تاريخ التسجيل : 07/12/2008

مُساهمةموضوع: عز العبودية وذل الحرية /إيهاب كمال أحمد    يونيو 3rd 2012, 10:19 pm






عز العبودية وذل الحرية

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والعاقبةُ
للمتَّقين، ولا عدوانَ إلا على الظالمينَ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ،
إلهُ الأوَّلين والآخِرين، وربُّ العالَمين، وقيُّومُ السموات والأرضينَ،
ومالكُ يومِ الدين، الذي لا فوزَ إلا في طاعتِه، ولا عزَّ إلا في التذللِ
لعظمتِه، ولا غنَى إلا في الافتقارِ إلى رحمتِه، ولا هدَى إلا في
الاستهداءِ بنورِه، ولا حياةَ إلا في رضاه، ولا نعيمَ إلا في قربِه، ولا
صلاحَ للقلبِ ولا فلاحَ إلا في الإخلاصِ له وتوحيدِه، سبحانه هو الذي إذا
أُطِيع شَكَر، وإذا عُصِي تَابَ وغَفَر، وإذا دُعِي أَجَاب، وإذا عُومِل
أَثَاب، شَهِدت له بالربوبيةِ جميعُ مخلوقاتِه، وأقرَّت له بالإلهيةِ جميعُ
مصنوعاتِه، وشَهِدت بأنه الله الذي لا إله إلا هو بما أَودَعها من عجائبِ
صَنعتِه وبدائعِ آياتِه، سبحانه يُسبِّح الرعدُ بحمدِه والملائكةُ من
خيفتِه، ويُرسِل الصواعقَ فيُصيبُ بها من يشاءُ، وهم يُجَادِلون في اللهِ
وهو شديدُ المِحَال.

وأشهدُ أن محمدًا عبدُه المصطفى، ونبيُّه
المرتَضَى، ورسولُه إلى الناس كافَّة، أرسلَه على حينِ فترةٍ من الرسلِ،
وانطماسٍ من السبلِ، أرسلَه بالهُدَى ودينِ الحقِّ؛ ليُظهِره على الدين
كلِّه، وكَفَى باللهِ شهيدًا، أرسلَه بين يَدَي الساعة بشيرًا ونذيرًا،
وداعيًا إلى الله بإذنِه وسراجًا منيرًا، فهَدَى بنورِه من الضلالةِ،
وبصَّر به من العَمَى، وأَرشَد به من الغَيِّ، وفَتَح به أعينًا عميًا،
وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غُلْفًا، صلَّى الله عليه وعلى آلِه وصحبِه وسلَّم
تسليمًا.

وبعد:

فإن انبهارَ البعضِ بالحضارةِ المادِّيةِ
الغربية، وما فيها من تقدُّم تقنِيٍّ، قد أصابَهم بنوعٍ من الهزيمةِ
النفسيةِ أمامَ كلِّ ما تقدِّمه هذه الحضاراتُ من: نظمٍ، ومناهجَ،
وتشريعاتٍ، ومن ثَمَّ يَسعَى أولئك محاوِلينَ إيجادَ نوعِ توافقٍ بين
الشريعةِ الإسلاميةِ وبين تلك المناهِج العلمانيةِ المحادَّة لشرعِ الله.

فعندما جاء مَن يَدعُو للاشتراكيةِ في بلادِ المسلمين، رَأَينا مَن يقول: إن الاشتراكيةَ من الإسلامِ!وعندما أَرَادُوا تطبيقَ الرأسماليةِ، زَعَموا أنها النظامُ الذي يَدعُو له الدينُ.

وعندما ذَاعَ صِيتُ الديمقراطيةِ في
البلاد انبَرى الكثيرونَ مؤكِّدين أنها المنهجُ المَرضِي المقدَّم في شرعِ
اللهِ، والذي لا يَجُوز خلافُه، وهكذا دَوَالَيكَ.

والحقُّ أن هذه المحاولاتِ التوفيقيةَ
البائسةَ تعكس نوعًا من الانهزام النفسيِّ أمامَ تلك النظمِ الغربيةِ، كما
تعكس جهلاً بحقيقةِ الإسلام وجوهرِه، وغفلةً عن حقيقةِ تلك النظمِ
والشرائعِ الغربية ومنطلقاتها وما تَرمِي إليه.

إن الإسلامَ يَفتَرِق في أصلِه وجوهرِه
ومنطلقِه عن هذه النظمِ، ويَختَلِف في الشكلِ والمضمونِ والوسائلِ
والمقاصدِ عن هذه الشرائعِ، اختلافَ تضادٍّ يشكِّل حاجزًا ومانعًا من
التلاقِي والتوافُقِ.


فإن الإسلامَ منهجُ حياةٍ كاملٍ شاملٍ
متفرِّدٍ في كل شيء، يَنطَلِق من توحيدِ الله - عز وجل - وتعبيدِ الناسِ
لربِّهم، وإخراجِهم من ذلِّ العبوديةِ لغيرِه.

والإنسانُ ما خُلِق في هذه الدنيا إلا
لعبادةِ الله - عز وجل - والعملِ على تعبيدِ الناس لربِّهم، ولا يَنبَغِي
للإنسان أن ينشغِل بأي شيءٍ يصدُّه عن أداءِ تلك الوظيفةِ التي خُلِق من
أجلها.

قال الله - تعالى -: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾ [الذاريات: 56 - 58].

وإلى هذا التوحيدِ - وتلكم العبادةِ - جاءت دعوةُ رسلِ الله أجمعين؛ قال الله - سبحانه -: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: 25].


والعبادةُ لا تَنحَصِر في أداءِ النسكِ والشعائرِ فحَسْب، بل هي: اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يُحبُّه الله ويَرضَاه من الأقوالِ والأفعالِ الظاهرة والباطنةِ[1]؛
فربوبيةُ اللهِ حاكمةٌ لكلِّ أفعالِ العبد وأقواله، بل حياةُ العبدِ
كلُّها ومماتُه، يَجِب أن يكون لله - عز وجل - وحده، وهذه حقيقةُ التوحيد
والإسلام.



قال الله - تعالى -: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأنعام: 162، 163].


وأصلُ العبوديةِ هو الخضوعُ والذلُّ[2]؛
فلا بدَّ للعبدِ أن يكون خاضعًا ذليلاً لربِّه ومولاه، مستسلمًا لأمرِه
ونهيِه، منقادًا لحكمِه، راضيًا بقضائه، مذعنًا لربوبيتِه وسيادته.


والإنسانُ - بطبِعه - مفطورٌ على
العبادةِ؛ فإن لم تتوجَّه عبادتُه لله - عز وجل - وحده، اجتَالَته
الشياطينُ ليَعبُدَ البشرَ والحجرَ والشجرَ والبقرَ، أو ليكونَ عبدًا
خاضعًا ذليلاً لأهوائِه وشهواتِه وغرائزِه.



قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما يَروِيه عن ربِّه: ((إِنِّي
خَلقتُ عبادي حنفاءَ كلَّهم، وإنهم أَتَتهم الشياطينُ فاجتَالَتهم عن
دينِهم، وحرَّمتْ عليهم ما أَحلَلتُ لهم، وأَمرتْهم أن يُشِركوا بي ما لم
أنزِّل به سلطانًا))[3].



وقال الله - سبحانه -: ﴿ أَفَرَأَيْتَ
مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ
وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً
فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾ [الجاثية: 23].



وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((تَعِس عبدُ الدينارِ وعبدُ الدرهمِ وعبدُ الخَمِيصة، إن أعطي رضي وإن لم يُعطَ سَخِط، تَعِس وانتَكَس وإذا شِيكَ فلا انتَقَش))[4].



قال الطيبِيُّ: "قيل: خُصَّ العبدُ بالذكرِ؛ ليؤذنَ بانغماسِه في محبةِ الدنيا وشهواتِها، كالأسيرِ الذي لا يَجِدُ خلاصًا"[5].

إن العبوديةَ الخالصةَ لله - سبحانه -
تحقِّق في المقابلِ التحرُّرَ من كلِّ عبوديةٍ لما سواه، والتخلصَ من: كلِّ
جورٍ، وظلمٍ، وامتهانٍ واقعٍ على البشريةِ، تحت: مسمَّياتٍ دينيةٍ
منحرفةٍ، أو فلسفيةٍ بائدة، أو قانونيةٍ وضعيةٍ، أو نظمٍ بشريةٍ معوجَّة،
كما تحقِّق الخروجَ من ضيقِ الدنيا وأَسرِ شهواتِها وزينتِها إلى سَعَةِ
الدنيا والآخرةِ، ومن قبلِ كلِّ ذلكَ؛ فإنها تَكفُل: النجاةَ، والسلامةَ،
والإكرامَ في الآخرة.

وقد لخَّص رِبْعِي بن عَامرٍ دعوةَ
الإسلامِ في كلماتٍ قليلةٍ، حيث قال: "إن اللهَ ابتَعَثنا لنُخرِجَ مَن شاء
من عبادةِ العبادِ إلى عبادةِ الله، ومن ضيقِ الدنيا إلى سَعَةِ الدنيا
والآخرةِ، ومن جَورِ الأديانِ إلى عدل الإسلامِ"[6].

فدعوةُ الإسلامِ تمثِّل - في
حقيقتِها - إنقاذًا للإنسانِ من الوقوعِ تحت وطأةِ الشركِ وذلِّ العبودية
لغير الله، وتخليصًا له من قهرِ الأربابِ وربقةِ الأهواءِ والشهواتِ
والغرائزِ، وتكريمًا له بأن يكونَ عبدًا لله وحدَه، وهنا يَكمُن كمالُ
المخلوقِ وكرامتُه وعزُّه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
"كمالُ المخلوقِ في تحقيقِ عبوديتِه لله، وكلما ازدَادَ العبدُ تحقيقًا
للعبوديةِ، ازدَادَ كمالُه وعَلَت درجتُه، ومَن توهَّم أن المخلوقَ يَخرُجُ
عن العبوديةِ بوجهٍ من الوجوهِ، أو أن الخروجَ عنها أكملُ، فهو من أجهلِ
الخلقِ وأضلِّهم"[7].


فلا كرامةَ للإنسانِ ولا عزَّ ولا كمالَ
إلا بمقدارِ تحقيقِه العبوديةَ للهِ - عز وجل - في حينِ يمثِّل أيُّ خروجِ
عن تلكم العبوديةِ امتهانًا للإنسانِ وإذلالاً له بالعبودية لغير ربِّه،
بالإضافةِ إلى ما يتوعَّده به من مهانةٍ وخزيٍ في الجزاءِ الأخروي، ومن
ثَمَّ فإن العبوديةَ لله هي عزُّ الدنيا والآخرةِ، والخروجُ عن هذه
العبوديةِ هو: الجهلُ، والضلالُ، والخزيُ، والهوانُ، والذلُّ في الدنيا
والآخرة.



إن الإسلامَ يقرِّر - من حيث الأصلُ - أن
الله قد كرَّم الإنسان وفضَّله على كثيرٍ من المخلوقاتِ، سواء أكان ذلك
بحسنِ الهيئةِ، وجمالِ الصورةِ، وانتصاب القامة، ونحو ذلك من الصفات
الشكلية، أم كان بالعقلِ والفقهِ الذي جَعَل له أهليةَ التكليفِ لقدرته على
فهم الشرائعِ والتفريقِ بين النافع والضار.



قال الله - تعالى -: ﴿ وَلَقَدْ
كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ
مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾ [الإسراء: 70].



قال ابن كثيرٍ: "يُخبِر - تعالى - عن تشريفِه لبنِي آدم، وتكريِمه إيَّاهم، في خلقِه لهم على أحسنِ الهيئاتِ وأكملِها؛ كما قال: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
﴾ [التين: 4]؛ أي: يَمشِي قائمًا منتصبًا على رجليه، ويأكلُ بيديه، وغيرُه
من الحيواناتِ يَمشِي على أربعٍ ويأكل بفمِه، وجَعَل له سمعًا وبصرًا
وفؤادًا، يَفقَه بذلك كلِّه ويَنتَفِع به، ويفرِّق بين الأشياء، ويَعرِف
منافعَها وخواصَّها ومضارَّها في الأمورِ الدنيوية والدينية.



﴿ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾ [الإسراء: 70]؛ أي: على الدوابِّ: من الأنعامِ، والخيل، والبِغَال، وفي البحرِ أيضًا على السفنِ الكبار والصغار.



﴿ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ
﴾ [الإسراء: 70]؛ أي: من زروعٍ وثمارٍ، ولحومٍ وألبانٍ، من سائرِ أنواعِ
الطعومِ، والألوانِ، المشتهاةِ اللذيذة، والمناظرِ الحسنة، والملابسِ
الرفيعةِ من سائر الأنواع، على اختلافِ أصنافِها وألوانِها وأشكالِها، مما
يَصنَعونه لأنفسِهم، ويَجلِبه إليهم غيرُهم من أقطارِ الأقاليم والنواحي.



﴿ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾ [الإسراء: 70]؛أي: من سائرِ الحيواناتِ وأصنافِ المخلوقاتِ، وقد استدلَّ بهذه الآيةِ على أفضليةِ جنسِ البشر على جنسِ الملائكة"[8].



لكن جوهرَ التكريمِ الحقيقيِّ للإنسانِ هو
منحُه العقلَ الذي هو مناطُ التكليفِ؛ فقد تتفوَّق بعضُ المخلوقاتِ على
الإنسان في القوَّة والسرعةِ والتحمُّل مثلاً، أو في حدَّة البصرِ وقوَّة
السمعِ والشمِّ، لكن تَبقَى الأفضليةُ للإنسانِ، بما أُوتِي من عقلٍ
يُمكّنه من التعرُّف على: صدقِ الرسالاتِ، وفهم الشرائع، واستيعابِ
البراهينِ والبيناتِ الدالَّة على وحدانيةِ الله وربوبيتِه.



قال القرطبي:
"والصحيحُ الذي يعوَّل عليه: أن التفضيلَ إنما كان بالعقلِ الذي هو عمدةُ
التكليفِ، وبه يُعرَف الله، ويُفهَم كلامُه، ويُوصَل إلى نعيمِه وتقديمِ
رسلِه، إلا أنه لما لم يَنهَض بكلِّ المرادِ من العبدِ؛ بُعِثت الرسلُ،
وأُنزِلت الكتب.



فمثال الشرعِ: الشمسُ، ومثال العقلِ: العينُ، فإذا فُتِحت وكانت سليمةً رأتِ الشمسَ وأدركَت تفاصيلَ الأشياءِ.



وقد جَعَل الله في بعضِ الحيوانِ خصالاً
يَفضُل بها ابنَ آدم أيضًا: كجَريِ الفرسِ، وسمعِه، وإبصارِه، وقوَّة
الفيل، وشجاعةِ الأسد، وكَرَم الديكِ؛ وإنما التكريمُ والتفضيلُ بالعقل كما
بيَّناه"[9].



فهذه الأفضليةُ وذاك التكريمُ ليس مطلقًا لكل بنِي البشر،
وإنما هو مرهونٌ بحسن استخدامِ العقلِ في أداء الوظيفةِ الرئيسة للإنسان
في هذه الدنيا؛ فطالما استخدم الإنسانُ عقلَه في فهم الشرائعِ الربَّانية
واتِّباعِها وتحقيقِ العبودية لله - عز وجل - فهو مستحقٌّ لهذا التكريمِ،
أما حين ينحرِف عن هذه العبوديةِ الخالصة لله - عز وجل - فقد سقط في أسفلِ
سافلينَ، وانحطَّ إلى مرتبةٍ أدنى من مراتبِ البهائمِ والعجماوات.



قال الله - تعالى -: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ [التين: 4 - 6].



وقال - سبحانه -: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ ﴾ [المعارج: 19 - 35].



فمن كانت هذه صفتَهم، وتلك عبادتَهم، فهم المُكْرَمُون، المستحقُّون للعزِّ والكرامةِ والرفعةِ، والنجاةِ من الخسران والهلاك؛ قال الله - عز وجل -: ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ [العصر: 1 - 3].



قال ابن كثيرٍ: "فأقسم - تعالى - بذلك على أن الإنسانَ لفي خسرٍ؛ أي: في خسارةٍ وهلاكٍ، ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ [العصر: 3]؛ فاستثنى من جنسِ الإنسانِ عن الخسران: الذين آمنوا بقلوبِهم، وعَمِلوا الصالحاتِ بجوارحِهم.



﴿ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ ﴾ [العصر: 3]، وهو: أداءُ الطاعاتِ، وتركُ المحرَّمات، ﴿ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ [العصر: 3]على المصائب والأقدارِ، وأذى مَن يؤذِي ممن يأمرونَه بالمعروفِ ويَنهَونه عن المنكر"[10].



وقال الطبري: "﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾
[الشعراء: 227]، يقول: إلا الذين صَدَقوا الله ووحَّدوه، وأقرُّوا له
بالوحدانية والطاعة، وعَمِلوا الصالحاتِ، وأدَّوا ما لَزِمهم من فرائضِه،
واجتَنَبوا ما نَهَاهم عنه من معاصيه، واستَثنَى الذين آمنوا من الإنسانِ؛
لأن الإنسانَ بمعنى الجمع، لا بمعنى الواحد"[11].



وقال الله - تعالى -: ﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ [الفرقان:43- 44].



إن أكثرَ مَن اتَّخذ إله هواه مطيعًا له
في أمورِه متبعًا له، هم محجوبونَ عن استماعِ بيانات الحقِّ والخيرِ
والهداية، وعن إدراكِ العظاتِ والعِبَر، وعن التفكُّر فيها وتعقُّلها، وهم
أيضًا لا يستطيعون ضبطَ نفوسِهم عن اتِّباع أهوائها؛ بسبب أن حواسَّهم
وعقولَهم مسخَّرةٌ لهذه الأهواءِ.



وإن الذين عطَّلوا أسماعَهم وأبصارَهم
وعقولَهم عن إدراكِ الحقِّ، وعن النظرِ إلى المستقبلِ البعيدِ، بسبب كونِهم
عبيدَ أهوائهم المرتبطةِ بزينةِ الدنيا - قد نَزَلوا عن إنسانيَّتهم التي
خُلِقت في أحسنِ تقويمٍ، إلى مستوى المخلوقاتِ التي لا تَعرِف غيرَ
شهواتِها ومطالبِ غرائزها، فهم كالأنعامِ ظاهرًا، وأضلُّ من الأنعام
حقيقةً؛ لأن الأنعامَ تتصرَّف بغرائزِها على وَفْقِ فِطَرِها، بخلافِ هؤلاء
الضالِّين؛ فإن اللهَ قد وَهَبهم ما جَعَلهم به في أحسن تقويم، فعطَّلوا
ما وهبَهم الله، ولم يَستَعمِلوه فيما خُلِقوا من أجلِه، فكانوا بذلك أضلَّ
من الأنعامِ سبيلاً[12].



إن الخروجَ عن عبوديةِ الله هو مصادمةٌ
لنظامِ الكون وناموسِه؛ فالله هو خالقُ هذا الكونِ ومدبِّره والمتصرِّف
فيه، وهو ربُّه وسيِّده وحاكمُه، والمخلوقاتُ جميعُها مربوبةٌ لله، والكلُّ
عبيدٌ له - سبحانه -: إليه يَخضَعون، وتحت قهرِه وسلطانِه يَنْضَوون،
ولأمرِه الكوني طوعًا أو كَرْهًا يُسلِمون؛ فهو القاهرُ فوق عبادِه، ولا
حول ولا قوة إلا به، وإنما أمرُه إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون.



قال الله - سبحانه -: ﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾ [آل عمران: 83].



وقال - عز وجل -: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ﴾ [الرعد: 15].



وقال - عز وجل -: ﴿ أَوَلَمْ
يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ
الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ * وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ [النحل: 48، 49].



وقال - سبحانه -:﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴾ [الأنعام: 17، 18].



وقال - تعالى -: ﴿ قُلِ
اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ
الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ
بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [آل عمران: 26].



وكما لا يَسَعُ الناسَ الخروجُ عن أمر
الله الكوني وربوبيتِه وسلطانِه؛ لأنهم معبَّدون خاضعون له، والكلُّ عبيدٌ
للهِ وفقَ ذلك المفهومِ، فكذلك لا يَصِحُّ أن يخرجَ الإنسانُ عن العبوديةِ
لله؛ لأنه بذلك يتمرَّد على طبيعتِه ووظيفتِه التي خُلِق من أجلها، والتي
لا يَستَقِيم أمرُ الدنيا والآخرة له إلا بالقيام بها.



لذلك نجدُ أن خطابَ الشرعِ دائمًا ما
يذكِّرُ الإنسانَ المتمرِّد على عبوديتِه لربه بأصلِ خلقتِه وحقارةِ
منشئِه، وحقيقةِ ضعفِه وافتقاره لربه، وبالنعمِ التي يُسدِيها إليه، كما
يذكِّره بمآلِه ومصيرِه في الآخرة التي لا نجاةَ له فيها إلا بقَدْرِ
قيامِه بوظيفتِه التي خُلِق من أجلِها.



وتدبَّر في الآيات التاليةِ التي تتحدَّث
عن الإنسان وتخاطبه بوصفه إنسانًا؛ ليتبينَ سقوطُ تكريمِ هذا الإنسان عند
تمرُّده على طبيعتِه، ونسيانه أو تناسيه لأصله ومنشئه، ومآله ومرجعه،
وحقيقة وجوده ووظيفته.



قال الله - تعالى -:﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ﴾ [الانفطار: 6 - 8].



وقال - عز وجل -: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ * إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ * يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ ﴾ [الطارق: 5 - 10].



وقال - سبحانه -: ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى ﴾ [القيامة: 36 - 40].



وقال - عز وجل -: ﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ [الإنسان: 1، 2].



وقال - سبحانه -: ﴿ قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ * كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ ﴾ [عبس: 17 - 23].



وقال - تبارك وتعالى -: ﴿ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ﴾ [النحل: 4].



وقال - سبحانه -: ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا *إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ * بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا ﴾ [الانشقاق: 6 - 15].



وقال - تبارك وتعالى -: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ * أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ * يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا *أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ * أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾ [البلد: 4 - 10].



وقال - سبحانه -: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ * أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ﴾ [العاديات: 6- 11].



وقال - تبارك وتعالى -: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ * كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى ﴾ [العلق: 1 - 8].



إن هذا الفهمَ الصحيحَ لحقيقةِ الإنسان،
وغايةِ وجودِه وحياته، ومآلِه ومصيرِه، كما قرَّرها الإسلام، وكما جاءت في
كلِّ رسالات الرسل ودعواتِ الأنبياء - يَقُودُنا بالضرورةِ إلى حتميةِ رفضِ
ما يُستَورَد من الغربِ من: نُظُمٍ، وقوانينَ، وعقائدَ، وفلسفات، ونظرياتٍ
بشريةٍ قامت على أُسُسٍ منحرِفةٍ مصادِمة للدين، ومن ذلك:

أولاً:
أن غالبَ تلك النظرياتِ قائمةٌ على التعاملِ مع الإنسان على أنه مجرَّد
كائنٍ أرضيٍّ بحتٍ، لا يَرتَفِع بمشاعرِه وعواطفه عن عالم الأرض[13]،
مُغفِلةً البعدَ الروحي والديني الذي فُطِر عليه كلُّ البشر، وبناءً على
تلك الرؤية المعوجَّة قامت نظريات أمثال: "فرويد"، و"دارون"، و"كارل
ماركس"، و"لينين"، و"فرانسيس بيكون"، و"تشالز بيرز"، و"جون ديوي"،
و"سارتر"، وغيرهم من أرباب الفكر الغربيِّ، الذين وجدت نظرياتُهم رواجًا
واسعًا في الغرب وصارت جزءًا من حضارتِهم وثقافتِهم يدورون في أُطُرِها،
ويقدِّسون جوهرها، ويَنطَلِقون من أصولِها وقواعدِها، وإن اختلفوا في بعض
التفاصيل والجزئيات [14].



ثانيًا:
أن تلك النظرياتِ والنظمَ الغربيةَ لا تُعطِي للحياة الأخروية أيَّ
اعتبارٍ في تقريرِ المصالح والمفاسد؛ وإنما تَسعَى في تحقيقِ ما تراه
يحقِّق سعادةً دنيويةً مَحضَةً وفقَ منظورٍ بشري يَخُصُّ صاحبه، ومن ثَمَّ
يَسعَى أولئك إلى تمهيدِ كلِّ السبل أمام الإنسانِ؛ لإشباعِ رغباته وغرائزه
بلا قيودٍ دينية، مع العمل على تنظيمِ ذلك بما لا يَتعَارَض مع مصالحَ
دنيويةٍ أخرى.



ولذلك نجد مثلاً أن تلك النظمَ مطبقةٌ على
اعتبارِ العَلاقةِ الجنسية بين رجلٍ وامرأةٍ في غيرِ إطارِ الزواج عملاً
غير مجرَّمٍ، يَسمَح به القانون في الجملة، إذا وُضِعت بعضُ الضوابط
المنظِّمة له.



ثالثًا:
أن هذه النظرياتِ والأنظمةَ تَغلُو في قيمة الإنسان، وتبالِغ في تقديسِه
وتعظيمِ رغباته، وتؤكِّد على أنه سيِّد هذا الكون، وأنه صاحبُ العقلِ
والتفكير الحرِّ، والحرية والإرادة المطلقة؛ فلا يحتاج لموجِّه أو مرشِد؛
بل هو قادرٌ على صناعةِ حياتِه كما يشاءُ، وعلى التشريعِ ووضعِ القوانينِ
التي يراها، ومن حقِّه أن يعيشَ بالطريقة التي يهواها، بعيدًا عما تقرِّره
الأحكام الربانية والشرائع الإلهية التي تنحصر - إن وُجِدت في معتقدِه - في
النسكِ، والشعائر التعبدية المحضة فقط[15].



إنهم لا يَنظُرون للإنسانِ على أنه عبدٌ
لله، وإنما يَخلَعون عليه بعضَ صفاتِ الإلهية ونعوتِ الربوبية تحت مسمَّيات
برَّاقة: كالحرية، وحقوقِ الإنسان، والحضارة والتقدُّم، وهذه المسمِّيات
في حقيقتِها تَحمِل بعضَ الحقِّ، لكنها تُخفِي وراء ذلك الحقِّ كفرًا
وضلالاً تَسعَى لترويجه والتسويق له.



فمثلاً تلك الحريةُ التي بها يتشدَّوقون،
ويَرفَعون عَقِيرتَهم، مُنَادِين بها ودَاعِين إليها كشعارٍ برَّاق
يدجِّلون به على السفهاء - هي التي سوَّغوا بها الكفرَ والطعنَ في ذاتِ
الله وكتبِه وأنبيائه تحت مسمَّى: "حرية الفكر"، وروَّجوا بها للانحلالِ
الخُلُقي، والانحطاطِ الجنسي تحت مسمَّى: "الحرية الشخصية"، وهي التي
يُحارِبون بها تطبيقَ شريعةِ الله، وتنفيذَ أحكامِه تحت مسمَّى: "الحرية
السياسية".



إن الثورةَ الفَرَنسية خاصَّة[16]،
والثورة الصناعية في أوربا عمومًا حين رَفَعت شعارَ "الحرية"، وحَارَبت من
أجلِه، استطاعت أن تتحرَّر فعلاً من طغيانِ الكنيسةِ ورجالاتِها وسيطرةِ
الملوك والإقطاع؛ فحقَّقت انتصارًا علميًّا، وتقنيًّا، وحضاريًّا ماديًّا
لا يمكن إنكارُه، وهو الذي أَضفَى على كلمة "الحرية" بريقًا جذَّابًا خَدَع
الكثيرين، وجَعَلهم يَغفُلُون في الوقتِ ذاته عن إدراكِ فشلِ تلك الثوراتِ
في التخلُّص من عبوديةٍ هي أشدُّ من سابقتِها، وهي عبوديةُ الأهواءِ
والشهوات والغرائز، وكيف قَادَهم الغلوُّ في الحرية - وتعظيمِ الرغباتِ
الإنسانية عمومًا، والبهائمية منها خصوصًا - إلى السقوط المدوِّي على مستوى
الدينِ والخلقِ والمبادئ والمُثُل.



إن ذلك التمرُّد على العبوديةِ لله - عز
وجل - هو الذي أَفرَز لنا ذلك النموذجَ الحضاريَّ المشوَّه الأعرج، وهو
الذي أدَّى إلى السقوط الغربي في ذلِّ الشهوات وعبوديةِ الغرائز وتأليهِ
الأهواء؛ ليَهبِطَ بأولئك البشرِ إلى هُوَّة بَهِيميَّة ودَركَةٍ حيوانيةٍ
يتخبَّطون فيها في ضلالٍ أشدَّ من ضلالِ الأنعام، يَفتِكُ بإنسانيتهم،
ويُهِين كرامتَهم، ولا يخفِّف عنهم عارَ ذلك السقوطِ ما أَحرَزُوه من
تقدُّمٍ على المستوى المادي؛ لأنهم إذ سَقَطوا في تلك الهُوَّة السحيقة
فَقَدوا أخصَّ خصائص الإنسان وأهم أسباب كرامته.



وخلاصةُ الأمرِ:
أن الإسلام في تفرُّده بمنهجِه الرباني الشامل الكامل هو الذي يحقِّق
الكرامةَ والعزَّ للإنسانِ؛ بتعبيدِه لربه، وتخليصِه من كلِّ عبوديةٍ لما
سواه، وهذا المنهجُ الرباني لا يمكن أن يَلتَقِي مع تلك الأنظمةِ التي
تُخَالِفه في المنطلق والغاية، والمقاصد والوسائل، والشكل والموضوع، وأيُّ
محاولةٍ للتوفيقِ بينه وبينها هي دربٌ من الخداعِ، أو القفزُ على الحقائقِ،
أو طلبُ المحال.



قال الله - سبحانه -: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا ﴾ [الكهف: 54].



وقال - عز وجل -: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ﴾ [النساء: 28].



نسأل الله أن ينوِّر بصائرنا،
وأن يهديَ قلوبنا، ويسدِّد ألسنتنا ويَسلُلَ سَخِيمةَ صدورِنا، وأن
يُرِيَنا الحقَّ حقًّا ويرزقَنا اتِّباعه، وأن يُرِيَنا الباطلَ باطلاً
ويَرزُقنا اجتنابَه، وأن يُعِينَنا على شكرِه وذكرِه وحسن عبادته، وأن
يرزقَنا اتِّباع سنةَ رسوله - صلى الله عليه وسلم - علمًا وعملاً ظاهرًا
وباطنًا.



وصلَّى الله وسلَّم وبارك على عبدِه ورسوله محمدٍ خيرِ الأنام، وعلى آلِه، وأزواجِه، وأصحابِه، ومَن تَبِعهم بإحسان.



[1] العبودية لابن تيمية، ص9.

[2] تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (17/56).

[3] أخرجه مسلم (5109).

[4] أخرجه البخاري (2673).

[5] فتح الباري في شرح صحيح البخاري (11/254).

[6] البداية والنهاية، لابن كثير، ( 5 / 107، 108).

[7] العبودية ص26.

[8] تفسير القرآن العظيم (3/85).

[9] الجمع لأحكام القرآن للقرطبي (10/294).

[10] تفسير القرآن العظيم (4/871).

[11] تفسير جامع البيان للطبري (30/372).

[12] تدبر سورة الفرقان في وحدة الموضوع، لعبد الرحمن حسن حبنكة الميداني ص206.

[13] انظر: الإنسان بين المادية والإسلام، ص19.

[14]
راجع: مدارس علم النفس لفاخر عاقل، والتراث اليهودي الصهيوني في الفكر
الفرويدي لصبري جرجس، والطبيعة الإنسانية والسلوك لجون ديوي، والموسوعة
الفلسفية لفؤاد كامل.
[15] راجع: سقوط الحضارة لكولن ولسن، وعقائد المفكرين في القرن العشرين لعباس العقاد.

[16] كان شعار الثورة الفرنسية "حرية.. مساواة.. أخوة".


الألوكة


------------------------
http://im18.gulfup.com/2012-01-04/1325652569691.gif
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sayedmobark.yoo7.com
 
عز العبودية وذل الحرية /إيهاب كمال أحمد
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
موقع الكاتب المصري سيد مبارك :: مكتبة المقالات الشرعية والعلمية :: مقالات في التوحيد والعقيدة-
انتقل الى: