الموقع الشخصي للكاتب المصري سيد مبارك ( بث مباشر للقنوات الإسلامية - مواقع إسلامية - مكتبة إسلامية شاملة - برامج أسلامية - القرأن الكريم وعلومه)
 
الكاتب والداعيةالرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثدخولالتسجيل
ouuouo10.jpgouuou_10.jpgououoo10.jpgoouo_o10.jpgouuuus10.jpguoou_u10.jpguusu_o10.jpguo_ooo10.jpguooooo10.jpguu_uou10.jpg
مؤلفات الشيخ سيد مبارك أطلبها من المكتبة المحمودية بالأزهر الشريف- مكتبة أولاد الشيخ بفيصل- مؤسسة قرطبة بالهرم...مؤلفات الشيخ سيد مبارك أطلبها من المكتبة المحمودية بالأزهر الشريف- مكتبة أولاد الشيخ بفيصل- مؤسسة قرطبة بالهرم


شاطر | 
 

  البوذية: عرض ونقد وشرح وتحليل عبدالحميد محمد قشطة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الشيخ سيد مباØ
صاحب الموقع
صاحب الموقع


عدد الرسائل : 2210
العمر : 56
العمل/الترفيه : كاتب اسلامى
تاريخ التسجيل : 07/12/2008

مُساهمةموضوع: البوذية: عرض ونقد وشرح وتحليل عبدالحميد محمد قشطة    مايو 18th 2012, 11:04 pm

ملخص الرسالة

البوذية في مقارنة الأديان


عرض ونقد وشرح وتحليل





بسم الله الرحمن الرحيم


مقدمة


الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيِّد المرسلين؛ سيدنا محمدٍ - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم.



وبعد:

فلا شكَّ أنَّ علمَ مُقارنة الأديان قد حقَّقَ نتائجَ باهرة، تَجعلنا في موقفٍ أفضلَ من أهل القرون السابقة؛ حيث ظهرَتْ كثيرٌ من الأبحاث والدراسات والمخطوطات المحقَّقة التي تَجعلنا أكثر دِقةً في الحُكم، وأكثر اقترابًا في فَهم ما يدور حول العقائد والأديان، لعلَّ في مقدِّمتها التساؤل عن أيِّ العقائد والأديان أحقُّ بالاتباع؟ وتزداد أهميَّة السؤال إذا عرَفنا أننا نعيش في عصر العقائد الدينيَّة بعد فَشل الأيدولوجيَّات[1].



لكن أي دينٍ يُتَّبع ليحقِّقَ السعادةَ المرجوَّة؟

قال الله تعالى: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾ [الكافرون: 6]، هذا على لسان نبيِّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - فهل يجوزُ اتِّباع أي دين ويكون فيه الهداية؟ قد قال الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ [الكهف: 29].



لكنَّه قد قال - عزَّ وجلَّ -: ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [آل عمران: 85].



وقال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((كلُّ مولود يولَد على الفِطرة؛ فأبواه يهوِّدانه، أو يُنصِّرانه أو يُمَجِّسانه))[2]، ولأنَّ الله - عزَّ وجلَّ - قد قال: ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾ [آل عمران: 19]، فإنَّ الإسلام هو الفطرة، فلم يقل النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أو يُسلمانه)).




يقول القائل:




عَرَفْتُ الشَّرَّ لاَ لِلشَّرْ
رِ لَكِنْ لِتَوقِّيهِ


وَمَنْ لاَ يَعْرِفِ الشَّرَّ
مِنَ الْخَيْرِ يَقَعْ فِيهِ




وكما قيل: وبضدِّها تتميَّز الأشياء، فإنِّي آثرْت أن يكون بحثي في ديانة من الديانات المخالفة للإسلام؛ حتى نعرفَ فضل الإسلام، ولا أقولُ إني أقارن بين هذه الديانة الوضعيَّة وبين الإسلام، فقد قال القائل:




أَلَمْ تَرَ أَنَّ السَّيْفَ يَنْقُصُ قَدْرُهُ
إِذَا قُلْتَ: إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَ الْعَصَا




فإسلامنا لا يُقارَنُ بأيِّ شيء، مع التحفُّظ أيضًا على مصطلح: مقارنة الأديان، ونظرًا لأنَّنا "إذا بحثنا في عقائد القوم، نراها قد تثبت على عقائدِ الشِّرك والوثنيَّة للأديان المحرَّفة والوضعيَّة، أو بمعنى أدق هي امتدادٌ لها، ومِن ثَمَّ فإنَّ العقائد قد انتكسَت من "التوحيد" الذي أتى به الأنبياءُ والرُّسل - عليهم السلام[3].



فإنَّنا نُقرِّرُ: "أنَّ العالم اليوم يعيش في «ردَّة» حقيقيَّة عن الدين الإلهي الصحيح؛ إذ خضَع الإنسان بإرادته إلى غيره من الكائنات في مَذلَّة وهوانٍ، بينما في الأصل هي مُسخَّرة ومُذللة له، ولنلقي نظرة إلى القارة الآسيويَّة أيضًا ذات الكثافة السكانيَّة الهائلة، وفي مقدِّمتها اليابان المتقدِّمة علميًّا وتكنولوجيًّا، فقد عبَد اليابانيون مظاهرَ الطبيعة والأسلاف، وما "الشنتوية" إلاَّ مزيج من عبادة الشمس ومظاهر الطبيعة، وعبادة الأسلاف وعبادة الإمبراطور المسمَّى "ابن السماء"[4].




لذا فقد قرَّرتُ أن يكون هذا البحثُ
المتواضع عن البوذيَّة، وهي ديانة "تعمل على جذْب الكثيرين من الأوروبيين
والأمريكيين؛ بحثًا عن غذاء للرُّوح في الشرق، وهذه البوذية عبارة عن ديانةٍ هنديَّة انتقَلت إلى الصين، ونعجب للإنسان المتحضِّر المعاصر الذي يَنزل إلى دَرك عبادة صنمٍ؛ إذ من المعروف أنَّ في "لاسا" معبدًا بوذيًّا فيه تمثالُ بوذا من الذَّهب الخالص، والمعبد مُحلَّى بأغلى الجواهر، ويُعبد هذا الصنم، ويُحَجُّ إليه من قِبَل مَن يعبدونه[5].




أمَّا عن خُطَّة هذا البحث المتواضع، فقد جاء البحث على النحو التالي:

1- المقدمة.

2- التمهيد: وهو عن عصر بوذا وبداية البوذية.

3- الفصل الأول عن حياةِ بوذا ونشأته، والعوامل التي غيَّرت في حياته، ثم رحلته من الزهد، ثم نجاح دعوته الباطلة.

4- أما الفصل الثاني، فهو عن آراء بوذا "الفلسفيَّة"، وفكرة الإله عنده، وإنكاره لهذه الفكرة، وسبب الإنكار، وحديثه عن الكارما والتناسُخ.

5- الفصل الثالث، وهو عن الأخلاق عند بوذا.

6- والفصل الرابع والأخير، وهو عن النَّقد المُوجَّه إلى البوذية، وأفرع هذا النقد.

وبعد خاتمة البحث، وضعتُ فهرسًا للمراجعِ وآخرَ للموضوعات.




واللهَ أسألُ أن يتقبَّلَ مني هذا العمل المتواضع، وأن يجعله في ميزان حسناتنا، إنه ولِيُّ ذلك والقادر عليه.



تمهيد:

قبل ظهور البوذية كانت الهند تعيش في ظلِّ الديانة البرهميَّة، مع ما جاءَت به من تعاليم ظالمة للناس، فجاءت البوذية تخفيفًا لِما جاءت به البرهميَّة من تعاليمَ، وإزالة ما أحدَثته من تفريق بين الناس، فالناس في الديانة البرهميَّة ليسوا سواءً؛ من حيث العبادةُ أو الزهد، بل إنهم مختلفون من حيث الطبقات والأعمال، فلقد قسَّمت البرهميَّةُ النَّاسَ إلى أربع طبقات[6]:

الطبقة الأولى: وهي الأعلى، وتسمَّى طبقة البراهمة، وهم رجال الدين الذين يتبنون أحكامَه.




الطبقة الثانية: وهم طبقةُ الجند، ويزعمون أنَّهم خُلِقوا من مناكب "براهما" ويَديه، وهم الحُماة والغُزاة،ومَرتبتهم دون البراهمة[7].




الطبقة الثالثة: طبقة الزُّراع والتُّجَّار، وهم مخلوقون من رُكبتي الإله، والفارق بينهم وبين من سبقهم كبيرٌ جدًّا.




الطبقة الرابعة: طبقة الخَدَم والأسارى، وقد خُلِقوا من قدم الإله براهما، وهي أقلُّ الطبقات عندهم.




وبعد هؤلاء هناك طبقة المحرومين وأبناء الزِّنا، والذين يتناوَلون الأعمال القذرة في المدن، والأعمال الحقيرة؛ لذا فكان أوَّلُ مَن دخَل في البوذية هم أولئك الذين ظَلَمهم التقسيمُ الطبقي البرهمي، وبعد ذلك صاروا أتباعًا لبوذا؛ لذا فإنَّ الحديثَ عن البوذية سيكون على أنها ديانة خرَجت على البرهميَّة.



"والحديث
عن البوذية يذكِّرنا بالطرفين المتقابلين في تصوُّر حقيقة السعادة
الإنسانية، وكيفيَّة تحقيقها قديمًا وحديثًا؛ أي: الفلسفة الأبيقوريَّة
قديمًا، والنفعيَّة حديثًا"[8].




فالبوذية من مُجملها إنما هي مذهب فلسفي أخلاقي، فهي فرع من فروع المذاهب المتكامِلة الأركان، مثل: المذهب الإسلامي الأخلاقي المتكامل الأركان[9].



والسؤال الذي سنعرفُه في الخاتمة: هل البوذية دينٌ كما يزعم بوذا؟ أو أنها فلسفة؟



الفصل الأول "حياة بوذا":

أوَّلاً: الميلاد والنشأة:

بوذا ليس اسم علم على شخصٍ بعينه، وإنما هو لقب ديني عظيم، معناه: الحكيم، أو المستنير، أو ذو البصيرة النفَّاذة[10].




ولقد أُحيطت حياة بوذا بكثيرٍ من الأساطير والخُرافات التي طمَستها معالِمُ حقيقته، حتى قال بعضُ الباحثين بأن حياة بوذا نفسها أسطورة مزعومة[11].



أمَّا عن ميلاده، فلقد اختَلف الباحثون في تاريخ ميلاده، فمنهم مَن قال: إنه وُلِد سنة 568 ق.م[12].



ويقولُ الدكتور هنري توماس: إنَّ بوذا وُلِد سنة 563 ق. م[13]، في بلدةٍ على حدود الهند، ويقولُ الشيخُ محمد أبو زهرة - رحمه الله -: إنَّ بوذا وُلِد عام 560 ق. م[14]
في بلدةٍ على حدود الهند، وكان من أسرةٍ نبيلة، وكان أبوه ملكًا صغيرًا في
تلك البلاد، وقد تربَّى بوذا في الرَّفاهية، وشبَّ عليها، فكان يعيش كما
يعيش أبناء السادة والملوك في نعيم عظيم[15].




وعندما بلَغ مبلغَ الشباب، زوَّجه أبوه من ابنةِ ملك مجاور له، وسَرعان ما وُلِد له ولدٌ سَمَّوه "راهولا"، وبالرغم من كلِّ هذا النعيم الذي كان يعيشُ فيه، فإنه لَم يَستسلم للملاذ والشهوات، "بل كان راغبًا عن الدنيا، تاركًا ملاذها"[16]، جذَبه جانبُ الشر في الحياة أكثر مما جذَبه جانب النعيم والسرور[17].




ونتيجة لكلِّ ما سبَق فقد انقلَبَ على هذه الحياة الدنيا وما فيها من الترف والبَذخ، وأحسَّ بمشكلاتِ الناس ومتاعبهم وآلامهم، ولا سيَّما طبقة البؤساء الفقراء؛ لذا فقد قَلق واضطرَب، وترَك كلَّ شيء في قصرِه، وتوجَّه إلى غابةٍ في الهملايا.




ثانيًا: العوامل التي غيَّرت حياةَ بوذا:

1- لقد توفِّيت والدة بوذا في الأسبوع الأوَّل من ولادته، وهذا الحدثُ من أهمِّ العوامل التي جعَلته ينظر إلى الحياة نظرة التشاؤم والحزن[18].




2- يُروى أنَّ بوذا الْتَقى ذات مرةٍ بشيخٍ عجوز واهٍ، يتوكَّأ على عصاه، ويوشِك ينكفئ على صدره، فاضطرَب له بوذا وتألَّم، فقال له رفيقُه: هكذا نهجُ الحياة، ولا مَفرَّ لنا من هذا المصير، فكانت مناظرُ الألَم والشقاء من أكثر العوامل التي أثَّرت في حياته أيضًا[19].



كذلك مشاهداته في جولات المدينة للمرضى والميِّتين، وما يَحدث في هذه الحياة الدنيا الفانية من مرضٍ وآلام، وموت وغير ذلك.




ولقد كتب بوذا يقولُ: "وعندئذٍ
بدأتُ أسأل نفسي: ماذا لو أنني وأنا خاضعٌ لأحكام الميلاد وقد رأيت بؤسَ
الحياة بعيني، ماذا لو كرَّستُ حياتي للبحثِ عن سعادة مَن لَم يولدوا بعدُ،
والجد في وقف عجلة الحياة كلِّها، والسعي وراء راحةِ النَّفس في عالَم
الخلود؟"[20].



ويا له من كلامٍ جميل، لكنَّه أُسِّس على عقيدةٍ باطلة.



ولقد اتَّجه بعدها إلى حياةِ الزُّهد والتقشُّف، تاركًا حياة النعيم والترف.



3- كذلك فقد أثَّرت الفلسفةُ الهندوسيَّة على حياة بوذا، فقد قرَأها وعرَف اتجاهاتها إلى أن أصبحَ أسيرَها، فقد تأثَّر بميولها إلى العُزلةِ والزُّهد، والانقطاع عن الناس، فلمَّا رأى بوذا منظر المرض والشيخوخة وجثَّة الميِّت، ضَعُفَ دافع المقاومة في نفسه، ورجَح عنده الميل إلى سلوك نفس الطريق الذي سلكَه الهندوس[21].




ولقد
تمكَّنت هذه النظرةُ التشاؤميَّة من فكرِ بوذا؛ حتى إنَّ والده حاوَل أن
يقاومَ هذا الاتجاه ويدفعه عن ولده، ويُبعد عنه مناظر الألَم، ويُسبغ عليه
مزيدًا من الملذَّات؛ ليجنبه التفكير في الآلام والشجون[22]، لكنَّ هذه الأحاسيس قد تمكَّنتْ من فكرِه ووجْدانه، فاستقرَّ رأيه على أن يدعَ صخبَ الحياة، وأن يبدأَ حياة الزُّهدِ والفكر؛ لعلَّه يصل إلى معرفة سرِّ الكون.



ثالثًا: رحلة بوذا إلى المعرفة:

ترَك بوذا حياةَ النَّعيم والترف، ثم هام على وجهِه في الغابات في الظَّلام على جواده، حتى إذا أسفر الصُّبح، فيُصبح وقد أماط عنه كلَّ حِلْيَة يَلبسها، وأرسَلها مع حصانه إلى منزله[23]، أو قابَل قرويًّا تبادَل وإيَّاه الملابس[24].



لقد ظلَّ بوذا على هذا الحالِ، واستقرَّ به المقام في الغابة ست سنوات، قابَل فيها راهبَيْن من البراهمة، فبَقِي معهما وتتلْمَذ عليهما، وأراد عن طريقِهما أن يصلَ إلى غايته، لكن بعد فترة تأكَّد له أن ما يعيشان فيه من زهادةٍ وتقشُّف شيءٌ مقصود لذاته، كأنه الغاية التي يتطلَّعان إليها، وكان بوذا يريد الزهادةَ وسيلة لمعرفة أسرار الكون، وليس غاية مقصودة؛ لذا فقرَّر هجْر هذين الراهبين، وقرَّر أن يسعى بنفسِه لنَيْل المعرفة، وكَشْف أسرار الكون، وقد سلَك من أجْلِ هذا وسائلَ متعددة؛ كالتصوُّف والفلسفة[25].




لقد
بدأت رحلتُه بالعُزلة والتكشُّف، ثم خلَع ثيابَه، واكتَفى برقاع أو أوراق
شجر يَستر بها عورتَه، وأهمَل الطعامَ والشراب والملاذَّ، ويقال: إنه كان
يَبتلع مقدارًا ضئيلاً من الطعام، بلَغ أحيانًا حبَّة من الأرز في اليوم
الواحد.



وقد اتَّخذ كلَّ هذا سبيلاً لكشْفِ أسرار الكون، وقام بألوانٍ من الرِّياضات النفسيَّة؛ ليُطهِّرَ نفسَه.



لقد
أمضى بوذا في هذا الصِّراع سبع سنين، ولَم يحسَّ في نهايتها بأيِّ أثر
يوصله إلى غايته، وبعد أن ضَعُفَ جسمُه وقلَّت قوَّته، وجَد أنَّ هذه
الطريقةَ لَم تُجْدِ نفعًا منه إلاَّ العذاب الذي ناله[26].



ونتيجة لِما سبَق فقد أقدَم بشجاعةٍ على ما لَم يكن معهودًا على نُسَّاك عصره، فأعلَن تمرُّدَه على هذه الطريقة، وهجَر حياةَ التقشُّف، وعاد إلى طعامه وشرابه وكسائه، وأعلَن أنَّ خير وسيلة إلى غايته عقلٌ يتغذَّى في جسمٍ سليم[27]، وقد خيَّب فِعْله هذا أتباعه ففارَقوه، لكنَّه رغم ذلك لَم يغيِّر شيئًا من أفكاره وفلسفته، وبينما
هو يمشي وحيدًا موحشًا، مال إلى شجرةِ تينٍ في غابة؛ ليتناول طعامَها،
ويتفيَّأ ظلالها، ويُنعم النظر في حالِها وفي حال العالم أيضًا، وساءَل نفسَه: ما سبب تبرُّمي وتبرُّم البشرِ جميعًا؟ وما مصدرُ الشقاء والمرض؟ وما عِلَّة الشيخوخة وبشاعة الموت؟[28].



ولقد طال به المقامُ تحت هذه الشجرة، وأحسَّ برغبة في البقاء تحتها بعض الوقت، وفي هذا المكان حدَث ما كان يتمنَّاه، فانشرَح صدرُه، ولاحَت له أضواء كاشفة، فخرَج على ضوئها ونورها من التأمُّل والتعبُّد[29].




يقول بوذا عن هذه اللحظة: "سَمِعت
صوتًا من داخلي يقول بكلِّ جلاءٍ وقوة: نعم في الكون حقٌّ أيها الناسك،
هناك حقٌّ لا ريبَ فيه، جاهِد نفسَك اليوم حتى تنالَه"، فمكَث تحت الشجرة، وألْزَم نفسَه الجلوس تحتها؛ حتى يعرف الحق الذي يُنشده، يقول: "فجَلَست
تحت تلك الشجرة في تلك الليلة من شهر الأزهار، وقلتُ لعقلي وجسدي: اسمعا،
لا تَبرحا هذا المكانَ؛ حتى أجد ذلك الحقَّ، لينشف الجلد، وليقف الدَّمُ عن
الجَرَيان، لن أقومَ من مقامي؛ حتى أعرف الحقَّ الذي أنشدُه، فيُنجيني"[30].




ولكن السؤال الذي يطرحُ نفسَه: كيف عرَف بوذا هذا الحقَّ؟



إنَّ هذا من الأمور الغامضة في حياة بوذا، ويفسِّر ذلك الإشراق والضوء الذي عرَف به سرَّ الكون، وللدكتور الرامبوري تفسير دقيق لهذه اللحظة، يقول - رحمه الله -: "إذ
أخَذته نزعة سماوية، فغاب عن نفسه وعن كلِّ ما حوله، وطَفِق يطرأ عليه حال
بعد حال، ويلحق طورًا وراء طور، ثم عاد شعوره يتجلَّى رويدًا رويدًا،
فأشرَق الكونُ لَدَيه، وانشرَح صدرُه، ورأى الكونَ في تكوُّناته
وتقلُّباته، فذاق سرورًا ما خطَر ببالِه من قبلُ، ووجَد قوةً ما استشعَر
بها قطُّ، فأبصَر ينابيعَ الحياة، وأحاط بمنابعِ الآلام، واستوعَب منابت
البؤس، واكتشَف مقاليد السرور، ورأى سبيلاً يَهدي إلى تلاشي الأحزان وزهوق
الآلام، فأدرَك متمنَّاه ونال مُبتغاه، وتخلَّصَ من تقلُّبات الحياة، ونجا
من حزازات الآلام، وتيقَّظ شعوره، وتنوَّرت بصيرتُه، واستوى على عرشِ
البوذيَّة، وصار بوذا عالِمًا متنورًا"[31].



وقد سجَّل بوذا هذه اللحظةَ الحاسمة، فقال: "لَمَّا أدرَكت هذا، تحرَّرتُ من الهوى، وتحرَّرت من شرورِ الكون الأرضي، تحرَّرت من شرور الخطأ، تحرَّرت من شرورِ الجهل"[32].




أمَّا عن الشجرة التي يجلسُ تحتها بوذا عندما تَمَّ له الكشف، وسُمِّيت "شجرة العلم"، أو "الشجرة المقدَّسة"، "وقد احتلَّت عند البوذيين مكانةً سامية، مثل مكانة الصليب عند المسيحيين"[33].




وبعد أن تمَّ له الكشف، وعرَف أسرار الكون، استقرَّ رأيه على أن ينشرَ دعوته، فترَك الغابةَ إلى مدينة "بنارس"، ودعا رفاقَه الخمسة الذين زامَلوه في فترةِ جهاده وتقشُّفه، فقَبِلوا دعوته، ثم جمَع حولَه مجموعةً من الشباب بلَغ عددهم مائتين، وعلَّمهم مبادئ دعوته، ووكلَ إليهم القيامَ بنَشْرها، والْتَفَّ حول دعوته عددٌ كبير من الرجال والنساء، واشْتَهَرت دعوته باسم "النظام".




رابعًا: أسباب نجاح دعوة بوذا:

1- اضطراب النَّاس وحَيْرتهم في الهند، كانا داعيين لقبول أيِّ مذهب يَرِد، أو أي فكرة تخطرُ بالبال، فلو أتَت البوذية أو غيرها من الأديانِ لتنقض البرهميةَ ونظامها الطبقي، لقَبِلها الناسُ.




2- قول بوذا بإلغاء الطبقات، وقد كان ذلك داعيًا إلى أن يتبعَه كثيرٌ ممن انحطَّت طبقاتهم، أو كانوا يحسون بثورة ضد هذه الطبقات المتعدِّدة.




3- كان لصفات بوذا عامل كبيرٌ في نجاح دعوته التي من أبرزها عداؤه للتعصُّب الديني الذي كان ظاهرة واضحة عند البراهمة، واعتَبرَ التعصُّب أعدى أعداء الدين، ومن أهمِّ عوامل سقوطه، ومن صفاته أيضًا: عداوته للغضب والبطش؛ "فلم يُعْرَف عنه أنه سبَّ أو سَخِط، أو نطَق لسانه بكلمةٍ جارحة أو قاسية"[34].




4- كذلك من الأسباب المهمَّة التي أدَّت إلى نجاح دعوته، أنه لَم يتعرَّض لفكرة الإله، ولَم يتعارَض مع آلهة الهندوس، فكان ذلك داعيًا لدخول كثيرٍ من الهنود في البوذيَّة، مع ولائهم لآلهة الهندوس؛ يقول: د. أحمد شلبي: "وبدأ البوذيون أنفسهم الذين يقوم مذهبُهم على عدم الاعتراف بالإله، يعترفون بالآلهةِ الهندوسيَّة، ويتقرَّبون إليها"[35].




5- أيضًا من عوامل نجاح الدعوة البوذيَّة أنها كانت دين الخلاص، فقد زَرَعتْ في نفوس الفقراء والمحرومين الأملَ في التحرُّر من الشقاء، لكنَّها كغيرها من الأديان لَم تكن تسعى إلى استئصالِ جذور الشقاء من الحياة الاجتماعية الواقعيَّة.




6- أما نشاط الأتباع، فهو أهم شيء في نشْر المراد نشره؛ لذا فقد كان هذا العاملُ من الأسباب المهمَّة في نجاح الدعوة، فلقد ربَّاهم بوذا على تحمُّل المشاق في سبيل نَشْر الدعوة، وقد كان يختبرُ الذين يقومون بالدَّعوة اختبارًا دقيقًا، وتلميذه "بورنا" خيرُ مثال على هذا، حينما أرسَله إلى قبيلة "سرونا بارانتا"، واستطاع "بورنا" بصبره وثباته دعوتَهم إلى البوذيَّة، وكانت النتيجة أن آمَنوا بها كلُّهم واتَّبعوها[36].



الفصل الثاني: "آراء بوذا الفلسفية":

تمهيد:

لَم يكن بوذا نبيًّا ولا صاحبَ دين، وإنما هو باحث فيلسوف مُفكِّر، عاش على الأرض، وفكَّر فيما حوله من الأحياء، وما ينزل بهم من متاعب؛ لذا فقد فكَّر في وضْع حلٍّ لهذه المتاعب، اعتنى بوذا بالناحية الأخلاقيَّة والمبادئ السامية أكثر من عنايته بالناحية العقَديَّة.




لذلك يقرِّرُ الدكتور أحمد شلبيأنَّ البوذية فلسفة وليستْ دينًا، فيقول: "فإنَّ
بوذا لَم يكن صاحبَ دين، فقد رأيناه لا يتكلَّمُ عن الله، بل ربما سَخِر
ممن تكلَّموا عنه، غير أنَّ أتْباع بوذا بعده رَفَعوه إلى درجة الآلهة،
وقَبِلوا كلامَه على أنه حقائق لا يتطرَّق إليها شكٌّ، وهم بهذا يرفعون
فلسفةَ بوذا إلى مستوى الدين، ويرون أنه لَم يتكلَّم عن الله؛ لأنه هو
الله، فالبوذيَّة بناءً على رأي بوذا فلسفة"[37].



بينما يرى د. محمد إسماعيل الندويأنَّ البوذية ليست فلسفة إطلاقًا، بل هي رياضة وعمل؛ نظرًا لاعتمادِ بوذا من أوَّل وَعْظه على العملِ لتحقيق مبادئه، ثم شَرح هذه الأمور بأسلوبٍ بسيط، وعلى طريقة الحوار، وفي تسلسُلٍ وترتيب طبيعي، ومراعاة لكلِّ الجوانب النفسية والإنسانية[38].




أولاً: الإله:

إنَّ مسألةَ الألوهيَّة تُعَدُّ من أغمض الأمور في البوذية، فإننا لا نجد في تعاليم ومبادئ بوذا ما يدلُّ على إيمانه بإله واحدٍ أو عدَّة آلهة، ومن هنا اعتقدَ بعض الباحثين أنَّ بوذا كان مُلحدًا؛ لذا فلا يحاولُ أحدُ البوذيين الخوضَ والتفكير في الله ووجوده وذاته مُطلقًا"[39].



لكنَّ الدكتور الندوي يُقرِّر أنَّ هذه تهمة وجِّهت إلى بوذا ظلمًا وزُورًا؛ لأنَّ الإلحاد يوجب إنكار الله وقُدرته صراحة ووضوحًا، لكنَّ بوذا "على
الرغم من التشويهات في كلامه وأقواله، فإنه لا يوجد نفيٌ صريحٌ يدلُّ على
إنكارِه لله، بل كل ما نراه هو موقف الصمت الرهيب والسكوت الكامل إزاء
الله"[40]، فلم تتعرَّض البوذية لفكرة الألوهيَّة بإثباتٍ أو نفي، لكن الأستاذ حامد عبدالقادر يرى أنَّ البوذيَّة الأولى كانت تعترف بوجودِ الآلهة التي كانت عند البراهمة، والدليل على ذلك "دخول كثير من أتْباع البراهمة في البوذية مع بقائهم على البراهمية؛ نظرًا لإعجابهم بالمنهج الأخلاقي عند بوذا"[41]، إلاَّ أنَّ البوذية تُقرِّرُ أنَّ براهما "الإله" عُرضةٌ للتغييرِ والفناء مثله مثل باقي الكائنات، وتُنكر أنَّ وجودَه مستمَّدٌ من ذاته، وأنَّه كائن روحاني مجرَّد من الشوائب[42]!



ويرى الشيخ محمد أبو زهرةأنَّ بوذا ليس من الذين يُنكرون فكرةَ الإله، ويقول: "بل
إن منتحلي نِحلته كانوا جميعًا يؤمنون بقوة مسيطرة على العالم، ولَم
يَمنعهم ذلك من أن يَجمعوا بين عقيدتهم ومذهبه، إلى أن قال: فذلك دليل
يظنُّ معه أنه ليس من دعايتِه إنكار الإله"[43].




وكما نرى فريقًا من الباحثين يُنكرون رفضَ بوذا لفكرة الإله، فعلى الجانب الآخر يوجد آخرون يُثبتون إنكار بوذا لفكرة الإله، ومن هؤلاء الباحثين: د. أحمد شلبي - رحمه الله - الذي يرى أنَّ بوذا تحاشَى الكلام عن الإلهيَّات، أو ما وراء الطبيعة، فقال: "وعلى
هذا لَم يعنَ بوذا بالحديث عن الإله، ولَم يشغل نفسه عنه إثباتًا أو
إنكارًا، وتحاشى كلَّ ما يتَّصل بالبحوث اللاهوتيَّة وما وراء الطبيعة؛ إذ
يرى أنَّ خلاص الإنسان متوقِّف على الإنسان نفسه، لا على الإله، ويرى أنَّ
الإنسانَ صانع مصيره"[44].




ويؤكِّد أنَّ اتجاه بوذا إلى الإنكار أكثر من اتجاهه إلى الإثبات.



وفيما يبدو أنَّ البوذية أنكرَت فكرة الإلهورفَضتها، بل لا وجود للإلهيَّات في البوذيَّة، فقد كان بوذا يرى أنَّ الكلامَ في الإلهيَّات من الخُرافات، وقد كان يَنصحُ تلاميذَه بالابتعاد عن هذه الأفكارِ؛ لأنَّ "إقامة الأخلاق عنده على رمال ما وراء الطبيعة غير الثابتة، سوف يؤدِّي إلى الانهيار"[45].



إنَّ بوذا لا يُحرِّكُ ساكنًا، ولا يُبدي نظرًا في الأمور الغيبيَّة، ولذلك مثالٌ:
"ذات يوم سأله أحد تلاميذه: هل العالم أبَديٌّ، أو له نهاية؟ فأجاب بوذا:
لا قيمةَ للبحث في أبديَّة العالم، أو في نهايته، فأنا لَم آتِ في هذه
الدُّنيا؛ لكي أشرحَ هذه المسائل، بل جئتُ إليها؛ لكي أُبيِّنَ السبيل إلى
النجاة من هذه الحياة وآلامها، وبناءً على ذلك، لا علاقةَ لي بهذا السؤال
المذكور، ومن ثَمَّ فإني أعتبره لا قيمة له"[46].




بل ويزيدُ الأمرَ على هذا، فيَسخر بوذا ممن يقولُ بوجود الإله، وكان من قوله في ذلك: "إنَّ
المشايخَ الذين يتكلَّمون عن الله، وهم لَم يروه وجهًا لوجهٍ، كالعاشقِ
الذي يذوبُ كمدًا وهو لا يعرف مَن هي حبيبته، أو كالذي يَبني السُّلَّم وهو
لا يدري أين يوجد القصر، أو كالذي يريد أن يَعبر نهرًا، فينادي الشاطئ
الآخر ليقدمَ له"[47].



وقد ذهَبوا إلى أنَّ الإنسان مسؤول عن نفسه وعن مصيره، وأن ليس للآلهة من الأمر شيء، "فإمَّا
أن يظلَّ الشخص مقيَّدًا بقيود هذا العالم، أو يتحرَّك من هذه القيود
والشرور، وأن أي شخص لا يستطيعُ أن يتغلَّب على رجل انتصَر على ذاته، حتى
الآلهة لا يُمكنها أن تنتصرَ على رجل غلَب نفسه"[48].



وعندهم أنَّ ناموس الطبيعة هو الذي يسيطرُ على كلِّ شيء، وهو يقضي ألاَّ يدومَ العذاب والجحيم إلى ما لا نهاية، وهذا الناموس عندهم: "لا يَخضع لذاتٍ قُدسي، يتصرَّف فيه كيفما يشاء، بل ذلك النَّاموسُ مستقلٌّ بذاته، نافِذ بنفسه" [49] .



سبب رفض فكرة الإله:

إنَّ موقفَ البوذيين من الاعتراف بالإله، كان ردَّ فِعْل لسوء تصرُّفِ طبقة من البراهمةواستبدادهم، فخاف البوذيون أن تتكوَّن عندهم طبقة لاهوتيَّة كالبراهمة
إن قالوا بالإله، فأنْكَروه وأهْمَلوا الكلام عنه لهذا الغرض"، ونتَج عن
هذا أنَّ البوذيَّة اتَّجَهت بعد وفاة بوذا إلى تأْلِيهه"[50].



أمَّا
عن سبب الخَلْط والاختلاف والإبهام في العقيدة البوذية - التي سادَها
أنواعٌ من الغموض والملابسات - فكان سبب ذلك أنَّ تعاليمَه كانت تتناقلُها
الألسنُ اعتمادًا على الذاكرة قُرابة أربعة قرون، وفي خلال هذه المدة
الطويلة أُضِيفت إلى عقيدته وتعاليمه إضافاتٌ كثيرة، ونُسِبت إليه أمورٌ
عديدة[51].




ثانيًا: الكارما: "مبدأ الكارما":

إنَّ النفوس البشرية عند بوذا عُرضة للتحول الدائم والتعرُّض المستمر للفناء، على عكس ما قالته البراهمة، "فالنفوس عند البراهمة مستقرَّة، لا يَعتريها التحوُّل، ولا يلحقُها العطَبُ أو الفناء"[52].



وبالرغم
من ذلك فإنَّ البوذية شأنها شأن الدِّيانات الهنديَّة، تأثَّرت بمبدأ
التناسُخ الذي يَستلزمُ القول ببقاء الذات، أو بعض عناصرها على الأقل، وهذا
يتنافى مع مبدأ الكارما وفيه تناقضٌ واضح، إلاَّ أنَّ بوذا أشار إشارة
مُبهمة لحلِّ هذه المشكلة، فرأى أنَّ أيَّ فردٍ من البشر مكوَّن من مجموعة
من العناصر البدنيَّة والعقليَّة، وهي خمس مجموعات، هي[53]:

1- مجموعة الصفات البدنيَّة.

2- مجموعة الإحساسات.

3- مجموعة الإدراكات الحسيَّة.

4- ثالوث الفكر والقول والعمل.

5- الحالات الشعوريَّة الأخرى.




وعند الموت تَنفصل هذه المجموعات عن بعضها البعض، فيَفنى الفرد، ولا يُصبحُ له وجود باعتباره فردًا مستقلاًّ، له مميزاته الخاصة، ومع أنه بهذا يفنى، إلاَّ أنَّ مبدأ الكارما الخاص به يَبقى، وهذا المبدأ يكون سببًا في وجود الإنسان في بيئة مناسبة مخلوقًا جديدًا، لا يتذكَّر المخلوق السابق، ومع أنَّ المخلوقَ الجديد يعد في نظر بوذا من الناحية الخلقيَّة امتدادًا لوجود المخلوق السابق، وترتُّب الوجود اللاحق على الوجود السَّابق هو الذي يسمَّى بالتناسُخ[54].



وفكرة النَّفس عند بوذا من الأمور التي يَكتنفها الغُمُوض والإبهام، وهي إحدى نُقَط الضَّعف في الفلسفة البوذيَّة.



ثالثًا: التناسُخ:

إنَّ مبدأ التناسخ من المبادئ المشتركة بين الدِّيانات الهنديَّة على اختلاف تصوُّرها، وخلاصة المبدأ أنه"إذا
لَم يكن هناك بدٌّ من تنفيذ حُكم القصاص، بأن تنال الرُّوح جزاءها، فلا
مناصَ من انتقالها بطريقة ما إلى كائنٍ آخر؛ لتكفِّر عن سيِّئاتها إن كانت
شِرِّيرةً في الحياة الأخرى، أو لتحظى بنوع من الرُّقي والسعادة، إن كانت
قد سلَكت مسلكَ الخير من قبلُ"[55].




ومن هذا يتَّضحُ أنَّ مبدأ التناسخ عند بوذا نتيجة حتميَّة لمبدأ الكارما؛ إذ إنَّ سبب التناسخ أنَّ الروحَ خرَجت من الجسم، وما تزال لها أهواء وشهوات مرتبطة بالعالم المادي لَم تتحقق بعدُ، وثانيها: أنها خرَجت من الجسم وعليها ديون كثيرة في علاقتها بالآخرين لا بدَّ من أدائها، فلا مناصَ إذًا من أن تستوفِيَ شهواتِها في حيواناتٍ أخرى، حتى إذا اكْتَمَلت الميول ولَم يَبق للإنسان شهوة، وأُزِيلت الديون، فلم يرتكب الإنسان إثمًا، نَجَت رُوحُه وتخلَّصت من تَكرار المولد أو التناسُخ.




يقولُ الدكتور مصطفى حلمي - حَفِظه الله - عن عقيدة التناسخ عندهم: "تقوم
عقيدة التناسخ أو تَكرار الولادة على أساس فكرة العقاب، فإذا مات الإنسان
الشِّرير لا تَنتقل رُوحه إلى إنسانٍ آخر، بل يجوز أن تحلَّ في كلب أو
شجرة، أو أي حيوان آخر؛ طيِّب، أو شِرِّير، وما يزال تَكرارُ الوفاة،
فالولادة إلى أبدِ الآبدين، إذا لَم تستطع أن تتجرَّدَ من الشهوات تجرُّدًا
تامًّا، فإذا استطاعَت أن تتخلَّصَ من إسار البشر، فإنها ستندمج مع
الكلِّ؛ لتنعمَ بالاتحاد معه، وبهذا الاتحاد تَنجو من العذاب الذي يتجلَّى
في الولادة الجديدة المتكررة"[56].




ولقد استدلَّ البوذيَّة على عقيدة التناسُخ بالمشاهدة، فقالوا: "إنَّنا
نرى في الحيوان بعضَ صفات الإنسان، وفي الإنسان بعض صفات الحيوان، فإنَّ
لدى الحيوان قابليَّة التعلُّم، ومعرفة ضروريَّات الحياة، والقيام بأعمالٍ
بعضها مُتقن مُحكم من غيرِ مُعلِّم، ومعرفة تربية الوليد وتعليم أخلاق
أبَوَيه وعادات جِنسه، أمَّا الإنسان فمنه مَن يَميل إلى النُّفرة
والعُزلة، والافتراس والاغتيال، أو الميل إلى الشجاعة أو الجُبن، أو الكرم
أو الشُّح، أو السكون أو البَطش، أو النفع أو الضُّر، أو اللين أو القسوة،
مما هو من خصائص الحيوان"[57].




وعلى الجانب الآخر ينكر د. الندويأن يكون للبوذية نصيبٌ من عقيدة التناسخ، بل عنده أن بوذا ذمَّ عقيدة التناسخِ وحارَبها بكلِّ الوسائل، فقال: "لقد
اعتقَد بوذا أنَّ عقيدة التناسخ هي أُمُّ الخبائث وأُسُّ المشكلات والآلام
والويلات؛ ولذلك حارَبها بكلِّ الوسائل في تعاليمه، وبهذا تكون دعوته ثورة
على الكهنوتيَّة الآريَّة، والسيطرة الطبقيَّة"[58].




ولقد شنَّ حربًا شعواء على هذه العقيدة، لكنَّه لَم يأت ببديل إيجابي للتناسخ كما يبدو من قراءة آثاره، ولا نعرف على وجه اليقين ماذا كان يعتقدُ عن الرُّوح بعد مفارقتها الجسدَ الإنساني فور الموت؟".




ويأتي بما قاله الباحثون في ذلك، فيقول: "يعتقد
الباحثون أنه كان يؤمن بنوعٍ من البرودة بعد الموت؛ أي: لا حياة ولا موت،
ولا بعث ولا نشور، ولا ثواب ولا عقاب، وفي نفس الوقت لا عدم ولا فناء"[59].




إلاَّ أنَّ د. محمد إسماعيل الندوي، لَم يأت - فيما أرى - بدليل واحدٍ يدلُّ على أنَّ بوذا حارَب عقيدة التناسخ، في حين أنَّ أقواله وأقوال تلاميذه وأتباعه، تؤيِّدُ قوله واعتقاده بالتناسخ، وهذا اللبسُ والغموض الموجود في عقيدة التناسخ عند البوذية، هو أيضًا إحدى نقاطِ الضَّعفِ في البوذية.




الفصل الثالث: "الأخلاق عند بوذا":

إنَّ الجزءَ الخصيب والإيجابي في البوذيَّة، هو مذهبُها في الأخلاق وإصلاح المجتمع، وتخفيف ما فيه من شقاء، وهذا الكلام بعيد عن الاختلاف بين آراء الباحثين: هل البوذية دين أو فلسفة؛ أي: مذهب أخلاقي.




وبعدما خاض بوذا تجارِبَه، "كانت
النتيجةُ التي توصَّلَ إليها أنَّ الآلامَ والأحزان والمشكلات التي
يعانيها كلُّ فرد في الحياة غني أو فقير، إنما سببُها الآمال والرَّغبات
والشهوات التي تراودُ الإنسان دائمًا"[60].




فلقد لاحَظ بوذا أنَّ الحياة مليئة بالأكدار والآلام، بل هي عبارةٌ عن آلام تَتبعها أحزان، تجعل الإنسان يعيش في تعبٍونغص دائمٍ، كما لاحَظ أنَّ منشأ تلك الآلام هو اللذات والأماني التي تتبعُها الرَّغبات، فقال: "لولا
انبعاث اللذات ما كانت الآلام، ولولا استهواء الأماني التي تبعثها اللذات،
ما كانت آلام الحِرمان؛ لذلك كان لا بدَّ لمحوِ الآلام من القضاء على
أصلها، وذلك يكون بالقضاء على اللذات وآمالها وأمانيها، ولا يتمُّ هذا
إلاَّ إذا راضَ الشَّخصُ إرادتَه على هجْر اللَّذات جُملة ومُجاهدتها؛
ليكون للإنسان القدرة التامَّة، فلا يناله الحِرمان من لذَّة بسبب الألَم"[61]، وقال أيضًا: "لولا ثلاثة في الدُّنيا، لَمَا ظهَر بوذا ولا الشريعة، وما هذا الثالوث إلاَّ المولد والهَرَم والموت"[62].




وطبقًا لهذه النتيجة التي توصَّل إليها، أقام فلسفتَه الأخلاقيَّة على حقائقَ أربع، هي:

1- هذا العالم مَليء بالألَم[63]، وهي عنده حقيقة واقعة، فكلُّ فردٍ عند بوذا يولَد أولاً، ثم ينمو، ثم يُدركه المرض، ثم تَلحقه الشيخوخة، ثم يموت، وهو في كلِّ مرحلة من هذه المراحل يعاني من الآلام والأحزان، "فيأسف عند مفارقة الأحباب، ويَغضب أشدَّ الغضب إذا اعتدَى عليه ظالِمٌ له، ويتألَّم إذا أصابَه سوء، أو حلَّ به مرض[64].

2- هذا العالم المؤلِم، له مصدر وسبب يجب كشفُه[65]، وسبب الألَم ومصدر الغم والحزن هو الشَّهوة؛ فالإنسانُ تتحرَّك في نفسه شهوات حسيَّة ورَغبات دنيويَّة، فتَشتاق نفسُه إلى الاستمتاع باللذات، وسبب هذا الحزن أنه في الغالب لا يستطيعُ تحقيقَ أمانيه، فيَعتريه الحزن، ويُحيط به الغمُّ من كلِّ جانب، فالشهوة مَنبع الحزن ومصدر الهمِّ والغمِّ"[66].

3- معرفة
سبب الألَم تقودُنا إلى الوسيلة التي بها نقضي على الألَم، فلكي يتخلَّص
الإنسان من هذه الآلام والأحزان، يجبُ عليه أن يتغلَّبَ على الشهوات
والملذَّات، "وأن يقطعَ كلَّ صِلة تربطه بالحياة المادية"[67].

4- للقضاء على الشَّهوات والملذَّات، يجبُ أن يتَّبعَ الإنسانُ أسلوبًا صحيحًا[68]،
وأن يَسلكَ المسلكَ المكوَّن من ثمانية عناصر؛ أي: يَتَّبع في حياته
ثمانيةَ مبادئ تُسَبِّب له السعادة، وتَكفل له الرَّاحةَ والتحرُّر من
أغلال الحياة ومتاعبها.




أمَّا عن المبادئ الثمانية، فهي:

1- العقائد الصحيحة، ويُراد بها: الإيمان بالحقائق الثلاث الأولى من الأربعة المتعلِّقة بالهمِّ والحزن.




2- الأغراض الشريفة؛ أي: الاتجاه إلى عمل الخير دائمًا، واجتناب الاتجاه إلى الشر والتفكير فيه.




3- القول الطيِّب، ويُراد به حِفظ اللسان من الكذب والنميمة، والسبِّ واستهزاء الناس.




4- العمل الصالح، وهو عمل كلِّ ما ينفع الناس، متضمنًا الابتعادَ عن الأعمال الشِّريرة، كالاعتداء على الأرواح - بشريَّة، أو حيوانيَّة - والأموال والأعراض.




5- اتِّباع خُطة قويمة في الحياة وكَسْب العيش، بمعنى الإحسان إلى الناس، وعدم كسب المال إلاَّ من وجوهه المقبولة في المجتمع.




6- بذْل الإحسان والجُهد الصادق في الأعمال، وغَرْس الاتجاهات الطيِّبة المقبولة، والبُعد عن النزعات الشِّريرة.




7- الاهتمام؛ أي: انغماس الإنسان في عمله، ومتابعة السَّيْر فيه، دون الشعورِ بيأس في الحال.




8- صدق التأمُّل الرُّوحي، وهو التفرُّغ للتبتُّل والرياضة والانغماس فيها[69].




ويلخصُ بوذا المبادئ الثمانية في ثلاث كلمات، وهي: "الشفقة، التقوى، المحبَّة"، إلاَّ أنَّ الشفقة عند بوذا لها معنًى خاص، ويقصد بها الشفقة على جميع الكائنات الحيَّة؛ لأنه كان يَعتقد خلال عمليَّة التناسخ بمرور كلّ واحدٍ منَّا بأشكالٍ كثيرة من الكائنات؛ حيوانية وبشريَّة معًا، "ونتيجة لذلك يربطنا جميعًا رباطٌ مشترك من العذاب"[70].




ولذلك فقد اعتَبر بوذا القتلَ خطيئةً؛ سواء في حقِّ إنسان، أو في حقِّ أي حيوان من الحيوانات، "فليس
للبوذي أن يقتل حيوانًا في لَهْوٍ كالصيد، أو في جدٍّ كذَبْحه للأكْل، بل
عليه أن يرفقَ بالحيوان ويَعده أخاه في الخَلْق، ولا يراه خلقًا أدنى منه"[71].




الوصايا العشر:

ترتَّب عند بوذا على هذه المبادئ الثمانية الإيجابيَّة عشر وصايا سلبيَّة، منها خمس وصايا إلى العامة وجميع الناس، وأخرى للرُّهبان وتلاميذ بوذا، أمَّا عن الخمس العامَّة، فهي:

لا تقتل، لا تَسرق، لا تزنِ، لا تكذب، لا تتناول مُسكرًا.




والخمس الأخرى الخاصة، هي:

1- لا تتناول طعامًا يابسًا بعد الظهر.

2- لا تَحضُر حفلات الغناء والرقص والتمثيل.

3- لا تَنَمْ على فراش وثير.

4- لا تقبل من أحد ذهبًا ولا فِضَّة.

5- لا تتزيَّن بأيِّ نوع من أنواع الزينة، ولا تَستخدم أيَّ نوع من أنواع الطِّيب[72]، لكنَّ بوذا يرى أنَّ هناك قيودًا عشرة تحولُ دونَ بلوغِ الإنسان درجةَ النجاة والسلام، وهي كالتالي[73]:

1- الوهم الخادع في وجود النَّفس.

2- الشك في بوذا وتعاليمه.

3- الاعتقاد في تأثير الطقوس والتقاليد الدينيَّة.

4- الشهوة.

5- الكراهية.

6- الغرور.

7- الرغبة في البقاء المادي.

8- الجهل.

9- الاعتداء الذاتي.

10- الكبرياء.




ومن الممكن تحطيم هذه القيود العشرة عن طريق الإيمان بالحقائق الأربعة، واتِّباع المبادئ الثمانية والتخلُّق بها، وبذلك يصلُ الإنسانُ إلى النرفانا أو النجاة "المزعومة".



أساس المصائب والأحزان عند بوذا:

1- الجهل:هو
الشيء الوحيد الذي يدفعُ الإنسان إلى السير وراء الشر، فهو يخفي حقيقة
الحياة عن نظر الإنسان، والجهلُ هو الباعث على تعلُّقنا بالشيء الوهمي، وهو الباعثُ على أن يفضِّل الإنسان نفسه عن سائر المخلوقات والميْل إلى الحياة نتيجة للجهل، فهو علَّة المعلولات لوجوده ووجودك"[74].




2- الفرديَّة: أو الأنانية التي تَنبعُ منها آلام الحياة؛ لذا فهي شر، وأكبر مصيبة هي حب النفس، ومن ثَمَّ يُصبح الشخص متكالبًا على الحياة ومتعطِّشًا للذَّة، وآلام الإنسان تتزايد بقدر اهتمامه بهذا الوجود الفاني؛ لذا فعلى الإنسان أن يؤمنَ بأنَّ الفردية هي مظهر العبث في الحياة، وسبب جميع الآلام[75].




وهناك رغباتٌ أخرى تَكمن في النفس، وتظهر بقوة وتسيطر عليها، وتُسَبِّب لها الآلام والأحزان، وهي:

1- ميل الإنسان إلى إدراك النجاح.

2- ميل الإنسان إلى الشهوة.

3- ميل الإنسان إلى الخلود.




المعاصي عند بوذا:

تعريفها:

هي عشر يجب محاربتُها؛ منها أربع ترتبط باللسانِ، وهي: (الكذب، الافتراء، والسب، والإساءة)، وثلاث ترتبط بالذهن؛ وهي: (الطمع، الخطأ، التهور)، وثلاث تتعلَّق بالجسم؛ وهي (الكذب، السرقة، الزنا)[76].




الفضيلة عند بوذا:

أن يكونَ الإنسانُ مُطلعًا على فضيلة الخير، وليس مُطلعًا عليها بمعرفتِها فحسب، وإنَّما بالعمل بمقتضاها، ومعرفة فضيلة الخير لا تكون بادِّخار المعلومات الكافية عن الأخلاق والإلهيَّات، بل عليه أن يثبتَ حُسن نيَّته في كلِّ عمل يقوم به.




مبدأ الحب عند بوذا:

إنَّ هذا المبدأ من أبرز المبادئ عنده، وهو نوعان:

1- حبٌّ أصغر، مثل: حب الأم الذي يَحملها على أن تحرصَ على حياة ولدها، ولو أدَّى ذلك إلى أن تُضحِّي بحياتها.




2- حبٌّ أكبر، وهو حبٌّ لا حدَّ له لجميع الكائنات، وأن يشعرَ قلبه بالمحبَّة الخالصة من جميع الشوائب المصلحيَّة لكلِّ ما في العالم، فهذه الحالة القلبيَّة عنده هي أفضل ما في الوجود[77]، وهو حبُّ النفس الكبرى، وهو حبٌّ شامل يُقيم بين جَنبيه الجميع[78].




أنواع التخلُّص من الأفكار الشِّريرة:

للتخلُّص من الأفكار الشِّريرة عند بوذا خمسة أنواع:

1- استبدال الأفكار الملوَّثة بالأفكار النبيلة.

2- مواجهة الأفكار الملوَّثة برجولة، واعتبارها وخيمةَ العاقبة، وسببًا من أسباب الحزن.

3- البُعد عن الأفكار الملوثة.

4- محاولة التفكير في الأفكار الملوَّثة بشيءٍ من التَّحليل، وحينئذٍ تصلُ إلى حقيقة هذه الأفكار السيِّئة.

5- مُحاربة كلِّ الأفكار الملوَّثة بكلِّ قوة[79].




وإذا استطاع الإنسان التغلُّب على هذه الأفكار السيِّئة الملوَّثة، يستطيع بعدها أن يُدركَ نور الحقيقة، ويكون مهيَّئًا لبلوغ النرفانا.




"والنرفانا": هي حالةٌ من الهدوءِ الذي يصلُ إليه الإنسانُ بعد التغلُّب على النفس، أو إخماد نار الشهوة والنفور من الجهل، وطلب الكمال[80].




إنَّ كلمة النرفانا من الكلمات التي يصعب تحليلُها وشرْحُها في البوذية، أو في أي ديانة هنديَّة أخرى، فهي من الألفاظ الغامضة المُبهمة، ولها أكثر من تفسير، والتعريف السابق هو المُجمل.




النرفانا
ليس معناها الفناء الأخير، وإنَّما هي التحرُّر العظيم؛ أي: "إلقاء
البضاعة الزائدة من رغباتنا الشخصيَّة؛ حتى لا يعوقنا شيءٌ عن اتحاد أنفسنا
مع الكون[81].



ويُطلق عليها حُكماء البوذيَّة حالة الخلاص؛ أي: إن "هدف المعرفة هو تخليص الإنسان من الشَّقاء والعذاب، وأنَّ هذا الخلاص ممكن على الأرض"[82].




ولقد عبَّر عنها بوذا بقوله: "عندما
تَخمد نار الشهوة، فتلك هي النرفانا، وعندما تخمد نار الكراهية، فتلك هي
النرفانا، وعندما تَكبح جِماح الكبرياء، فتلك هي النرفانا، ليس لي أن أعلم
شيئًا واحدًا هو محو العذاب"[83].



ومن خلال مبدأ النرفانا عند بوذا، فإنَّ الإنسانَ عنده مثل الشُّعلة التي لا تَحترق، فهو في تغيُّر دائمًا، وللتخلُّص من هذا الحريق أو التغيُّر، لا بدَّ من الوصول إلى النرفانا؛ "أي:
يجب إخماد نار الشهوات بماء الحِكمة، والعمل على ألاَّ نتعرَّض لمصائب
الوجود، والتناسُل عنده هو أكبرُ جُرمٍ يَرتكبه الإنسان في حقِّ نفسه"[84].




فالولادةُ والموت هما أساسا الآلام والأحزان، ولا بد من التخلُّص منهما، وهذا مما لا يقبلُه عقلٌ ولا منطق، ولَم يقل به عاقل، فيقول بوذا: "لولا ثلاثة من هذه الدُّنيا، لَما ظهَر بوذا ولا الشريعة، وما هذا الثالوث إلاَّ المولد والهَرَم والموت"[85].




تربية بوذا لأتباعه:

لقد ربَّى بوذا أتباعَه على مبدَأين مهمَّين لنجاح دعوته، وهما: الجماعة، والمحبَّة، ومبدأ المحاورة والمناقشة، ونهاهم عن الفرديةِ والأنانية.




أمَّا عن المحاورة، فلم يكن بوذا يعترف بأنَّ هناك شيئًا مقدَّسًا أو مُسَلَّمًا به، وكان دائمًا يدعو تلاميذه إلى المحاورة ومناقشة كلِّ ما يقال، وألاَّ يقبلوا كلامَه على أنه مسلَّمٌ به، فأقام مذهبه على أساس "اقْبَل وانظُر"، وليس على أساس التعصُّب للرأي[86].




المرأة عند بوذا:

لَم تكن المرأةُ منعزلة عن المجتمع، لكنَّه
تردَّد في أن يَجعلها من أتباعه؛ حتى إنه حذَّر من التعامل مع النساء، وقد
سأله ابن عمه ذات مرة: كيف نعامل النساء؟ فقال: لا تنظر إليهنَّ، فقال له ابن عمه: ولكن إذا اضطُرِرنا للنظر إليهنَّ، قال له: فلا تُخاطبهنَّ، فقال له ابنُ عمه، ولكن إذا خاطَبْنَنا، فأجاب بوذا: إذًا كُنْ على حذرٍ تام منهنَّ.




ولقد ظلَّ ابن عمه يلحُّ عليه لضمِّ النساء، ورأى أنَّ في ذلك خطرًا على المجتمع وعلى البوذية أيضًا، فقال "لو لَم نضمَّ المرأة، لدام النظام الخالص طويلاً، أما الآن بعد دخول المرأة بيننا، فلا أراه يدوم طويلاً"[87].




وقال في موضعٍ آخرَ: "إذا عاشَرت النساء اعتبرهنَّ بمكان الأمِّ لك لو كنَّ عجائزَ، واعتبرْهنَّ شقيقاتٍ لك إن كنَّ شابات"، وحذَّرَ أتباعَه وتلاميذه من المرأة كثيرًا، فقال: "إنَّ المرأة مثل التمساح الذي ينتظر على ضفة نهر الحياة؛ ليلْتَهمَ أوَّل سابحٍ يراه"[url=http://www.alukah.net/Library/10787/37099/#_ftn88][

------------------------
http://im18.gulfup.com/2012-01-04/1325652569691.gif
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sayedmobark.yoo7.com
 
البوذية: عرض ونقد وشرح وتحليل عبدالحميد محمد قشطة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
موقع الكاتب المصري سيد مبارك :: مكتبة الدرسات و الأبحاث الشرعية والعلمية :: أبحاث ودراسات عقائدية-
انتقل الى: