الموقع الشخصي للكاتب المصري سيد مبارك ( بث مباشر للقنوات الإسلامية - مواقع إسلامية - مكتبة إسلامية شاملة - برامج أسلامية - القرأن الكريم وعلومه)
 
الكاتب والداعيةالرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثدخولالتسجيل
ouuouo10.jpgouuou_10.jpgououoo10.jpgoouo_o10.jpgouuuus10.jpguoou_u10.jpguusu_o10.jpguo_ooo10.jpguooooo10.jpguu_uou10.jpg
مؤلفات الشيخ سيد مبارك أطلبها من المكتبة المحمودية بالأزهر الشريف- مكتبة أولاد الشيخ بفيصل- مؤسسة قرطبة بالهرم...مؤلفات الشيخ سيد مبارك أطلبها من المكتبة المحمودية بالأزهر الشريف- مكتبة أولاد الشيخ بفيصل- مؤسسة قرطبة بالهرم


شاطر | 
 

 الجمع بين الصلاتين في السفر للشيخ مقبل الوادعي(2)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الشيخ سيد مباØ
صاحب الموقع
صاحب الموقع


عدد الرسائل : 2210
العمر : 56
العمل/الترفيه : كاتب اسلامى
تاريخ التسجيل : 07/12/2008

مُساهمةموضوع: الجمع بين الصلاتين في السفر للشيخ مقبل الوادعي(2)   مارس 11th 2012, 8:42 am


[center]
6- قال الإمام مسلم في "صحيحه" (ج8 ص170): حدثنا أبوبكر بن أبي شيبة
وإسحاق بن إبراهيم جميعًا عن حاتم قال أبوبكر حدثنا حاتم ابن إسماعيل المدني عن
جعفر بن محمد عن أبيه قال: دخلنا على جابر بن عبدالله. وذكر الحديث وفيه صفة حجة
رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وفيه: حتّى أتى عرفة فوجد القبّة قد ضربت
له بنمرة، فنزل بها، حتّى إذا زاغت الشّمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطْن
الوادي فخطب النّاس -وذكر الخطبة، وبعدها:- فأذّن ثمّ أقام فصلّى الظّهر، ثمّ أقام
فصلّى العصر ولم يصلّ بينهما شيئًا. وذكر الحديث.
فلو لم يكن في الباب إلا هذه الأحاديث لكانت كافية في جمع التقديم، كيف وقد تقدم
عمومات في الفصل الأول. وستأتي أحاديث صريحة إن شاء الله في ذلك.
7- قال الإمام أحمد بن الحسين البيهقي رحمه الله في "سننه" (ج3 ص162):
حدثنا أبوعمرو الأديب حدثنا أبوبكر الإسماعيلي أنبأ جعفر الفريابي حدثنا إسحاق بن
راهويه أنبأ شبابة بن سوار عن ليث بن سعد، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك كان
رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا كان في سفر فزالت الشّمس صلّى الظّهر
والعصر جميعًا ثمّ ارتحل.
قال الحافظ في "التلخيص" (ج2 ص49): وإسناده صحيح قاله النووي. وفي ذهني
أن أبا داود أنكره على إسحاق.
وعزاه في "بلوغ المرام" إلى أبي نعيم في "المستخرج" ثم قال في
"التلخيص" بعد قوله (في ذهني أنّ أبا داود أنكره على إسحاق): ولكن له
متابع رواه الحاكم في "الأربعين" عن أبي العباس محمد بن يعقوب عن محمد
بن إسحاق الصغاني عن حسان بن عبدالله، عن المفضل بن فضالة، عن عقيل، عن ابن شهاب،
عن أنس أنّ النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشّمس
أخّر الظّهر إلى وقت العصر، ثمّ نزل فجمع بينهما فإن زاغت الشّمس قبل أن يرتحل
صلّى الظّهر والعصر، ثمّ ركب.
وهو في "الصحيحين" من هذا الوجه بغير هذا السياق وليس فيهما: (والعصر)،
وهي زيادة غريبة صحيحة الإسناد، وقد صححه المنذري من هذا الوجه، والعلائي، وتعجب
من الحاكم كونه لم يورده في "المستدرك". ?
وقال في "بلوغ المرام": وللحاكم في "الأربعين" بإسناد صحيح،
فذكره، وهذا يدل على جزمه بصحة ما في "الأربعين" للحاكم.
وأما في "الفتح" (ج3 ص237) فقد تردد في ثبوتها، فلعله اطلع على سندها
بعد ذلك بدليل جزمه في "بلوغ المرام" وفي "التلخيص". ثم قال
في
"التلخيص": وله طريق رواه الطبراني في "الأوسط".
حدثنا محمد بن إبراهيم بن نصر بن شبيب الأصبهاني حدثنا هارون بن عبدالله الحمال
حدثنا يعقوب بن محمد الزهري حدثنا محمد بن سعد ثنا ابن عجلان عن عبدالله بن الفضل،
عن أنس بن مالك أنّ النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان إذا كان في سفر فزاغت
الشّمس قبل أن يرتحل صلّى الظّهر والعصر جميعًا، وإن ارتحل قبل أن تزيغ الشّمس جمع
بينهما في أوّل العصر، وكان يفعل ذلك في المغرب والعشاء. وقال: تفرد به يعقوب بن محمد6.
8- قال الإمام الترمذي رحمه الله (ج1 ص386): حدثنا قتيبة حدثنا الليث بن سعد عن
يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل أنّ النّبيّ صلى الله عليه وعلى
آله وسلم كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشّمس، أخّر الظّهر إلى أن يجمعها
إلى العصر فيصلّيهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشّمس، عجّل العصر إلى الظّهر،
وصلّى الظّهر والعصر جميعًا، ثمّ سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخّر المغرب حتّى
يصلّيها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجّل العشاء فصلاها مع المغرب.
قال: وفي الباب عن عليّ، وابن عمر، وأنس، وعبدالله بن عمرو، وعائشة، وابن عبّاس،
وأسامة بن زيد، وجابر بن عبدالله.
قال أبوعيسى: وروى عليّ بن المديني عن أحمد بن حنبل عن قتيبة هذا الحديث، وحديث
معاذ حديث حسن غريب تفرد به قتيبة عن الليث، ولا نعرف أحدًا رواه عنه غيره، وحديث
الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عن معاذ حديث غريب. والمعروف عند أهل
العلم حديث معاذ من حديث أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ، أن النبي صلى الله
عليه وعلى آله وسلم جمع في غزوة تبوك بين الظّهر والعصر وبين المغرب والعشاء. رواه
قرة بن خالد، وسفيان الثوري، ومالك، وغير واحد عن أبي الزبير المكي.?
تخريج الحديث:
أخرجه أبوداود (ج1 ص278)، وقال: لم يرو هذا إلا قتيبة وحده. وابن حبان
(ج3 ص91)، وقال عقبه: سمعت محمد بن إسحاق الثقفي يقول: سمعت قتيبة بن سعيد يقول:
عليه علامة الحفاظ، كتبوا عني هذا الحديث أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والحميدي،
وأبوبكر بن أبي شيبة، وأبوخيثمة، حتى عدّ سبعة7.
وأخرجه أحمد (ج5 ص241)، والدارقطني (ج1 ص392)، والبيهقي (ج3 ص163) وذكر عقبه ما
سنذكره إن شاء الله من كلام
البخاري رحمه الله، والطبراني في "الصغير" (ج ص234) وقال: لا يروى هذا
الحديث عن معاذ إلا بهذا الإسناد تفرد به قتيبة.
فائدة:
قال المباركفوري رحمه الله في حديث عبد الله بن عمرو: فلينظر من أخرجه؟ فوجدته في
مسند أحمد (ج2 ص181) و ص(204)، وفي
"مصنف ابن أبي شيبة" (ج2 ص458) من طريق حجاج أيضًا. وقال الهيثمي في
"مجمع الزوائد" (ج2 ص108): فيه الحجاج بن أرطأة وفيه كلام.

الطاعنون في حديث قتيبة
1- تقدم قول الترمذي رحمه الله تعالى: والمعروف عند أهل العلم حديث معاذ من حديث
أبي الزبير إلى آخر كلامه رحمه الله.
2- ذكر الحافظ في "التلخيص" (ج2 ص49) أن أبا داود قال: إنه حديث منكر
وليس في جمع التقديم حديث قائم.?
وأقول: ينظر في صحة هذا عن أبي داود فإن الأحاديث الثابتة في جمعه صلى الله عليه
وعلى آله وسلم يوم عرفة في الصحيحين وغيرهما.
3- قال الحافظ في "التلخيص": وقال أبوسعيد بن يونس: لم يحدثْ بهذا
الحديث إلا قتيبة، ويقال: إنه غلط فيه، فغير بعض الأسماء وإن موضع يزيد بن حبيب،
أبوالزبير.
4- الحاكم أبوعبدالله جعله مثالاً للشاذ، فقال رحمه الله بعد ذكره بالسند المتقدم:
هذا حديث رواية أئمة ثقات، وهو شاذ الإسناد والمتن لا نعرف له علة نعلله بها، ولو
كان الحديث عند الليث عن أبي الزبير عن أبي الطفيل لعللنا به الحديث، ولو كان عند
يزيد بن أبي حبيب عن أبي الزبير لعللنا به، فلما لم نجد له العلتين خرج عن أن يكون
معلولاً، ثم نظرنا فلم نجدْ ليزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل روايةً، ولا وجدنا
هذا المتن بهذه السياقة عند أحد من أصحاب أبي الطفيل، ولا عند أحد ممن رواه عن
معاذ غير8 أبي الطفيل فقلنا: الحديث شاذ. ثم ذكر نحو ما تقدم عن ابن حبان من أنه
كتب هذا الحديث عن قتيبة سبعة وأن علامتهم عليه، ثم قال: قائمة الحديث إنما سمعوه
من قتيبة تعجبًا من إسناده ومتنه ثم لم تبلغنا عن واحد منهم أنه ذكر للحديث علة.
وقد قرأ علينا أبوعلي الحافظ هذا الباب، وحدثنا به عن أبي عبدالرحمن النسائي وهو
إمام عصره عن قتيبة بن سعيد، ولم يذكر أبوعبدالرحمن ولا أبوعلي للحديث علة فنظرنا
فإذا الحديث موضوع وقتيبة بن سعيد ثقة مأمون.
حدثني أبوالحسن محمد بن موسى بن عمران الفقيه قال: حدثنا محمد ابن إسحاق بن خزيمة
قال سمعت صالح بن حفصويه النيسابوري قال أبوبكر وهو صاحب حديث يقول: سمعت محمد بن
إسماعيل البخاري يقول: قلت لقتيبة بن سعيد: مع من كتبت عن الليث بن سعد حديث يزيد
بن أبي حبيب عن أبي الطفيل؟ فقال: كتبته مع خالد المدائني9.
قال البخاري: وكان خالد المدائني يدخل الأحاديث على الشيوخ.?
5- ابن أبي حاتم قال رحمه الله في "العلل" (ج1 ص91): سمعت أبي يقول:
كتبت عن قتيبة حديثًا عن الليث بن سعد لم أصبه بمصر عن الليث، عن يزيد بن أبي
حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ عن النّبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنّه كان في
سفر فجمع بين الصّلاتين.
وقال أبي: لا أعرفه من حديث يزيد، والذي عندي أنه دخل له حديث في حديث.
حدثنا أبوصالح: قال حدثنا الليث عن هشام بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن
معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بهذا الحديث.
6- الحافظ أحمد بن علي بن ثابت الخطيب ذكر الحديث بأسانيد إلى قتيبة ثم ذكر كلام
البخاري من طريق الحاكم ثم عقّبه بقوله: قلت: لم يرو حديث يزيد بن حبيب عن أبي
الطفيل عن الليث غير قتيبة وهو منكر جدًا من حديثه ويرون أن خالدًا المدائني أدخله
على الليث وسمعه قتيبة معه فالله أعلم.? (ج12 ص467).
7- الحافظ أبومحمد علي بن أحمد بن حزم رحمه الله قال في
"المحلى" (ج3 ص174) بعد ذكره هذا الحديث من طريق الليث بن سعد به: فإن
هذا الحديث أردى حديث في الباب لوجوه، أولها: أنه لم يأت هكذا إلا من طريق يزيد بن
أبي حبيب عن أبي الطفيل، ولا يعلم أحد من أصحاب الحديث ليزيد سماعًا من أبي
الطفيل. والثاني: أن أبا الطفيل10 صاحب راية المختار، وذكر أنه كان يقول بالرجعة.
والثالث: أننا روينا عن محمد بن إسماعيل البخاري مؤلف "الصحيح" أنه قال:
قلت لقتيبة... وذكر القصة المتقدمة.
8- الشافعي رحمه الله: قال رحمه الله: ليس الشاذ من الحديث ما يرويه الثقة ولا
يرويه غيره، ولكن الشاذ ما يرويه الثقة ويخالفه عمل الناس مثل حديث معاذ في غزوة
تبوك في الجمع بين الصلاتين.? من
"طبقات الشافعية" لأبي عاصم محمد بن أحمد العبادي ص (19).
حاصل ما قاله أهل العلم في هذا الحديث:
1- صحيح عند ابن حبان.
2- حسن عند الترمذي.
3- منكر عند الخطيب وأبي داود إن ثبت عنه.
4- موضوع عند الحاكم.

الجواب عن هذه المطاعن

الجواب عن المطاعن الثلاث الأولى هو: أن قتيبة رحمه الله تعالى لم ينفرد به بل قد
رواه هشام بن سعد كما سيأتي إن شاء الله.
وأما قول أبي سعيد بن يونس: يقال: إن قتيبة غلط فيه إلخ كلامه. فهذا لا يثبت إلا
ببرهان.
وأما القصة التي ساقها الحاكم والخطيب واعتمد عليها ابن حزم، فإنّها تدور على شيخ
الحاكم محمد بن موسى بن عمران. قال الحافظ في "لسان الميزان": وكان له
فهم، ولكنه كان مغفلاً، ذكره الحاكم.? وصالح بن حفصويه راوي القصة عن البخاري ما
وجدت ترجمته، ولا نكتفي بقول الإمام ابن خزيمة: وكان صاحب حديث. فثبوت القصة متوقف
على صحة السند إلى البخاري رحمه الله.
ويبقى على الحديث ثبوت سماع يزيد بن أبي حبيب من أبي الطفيل، فإنه ممكن لأن أبا
الطفيل توفي سنة (100) وولد يزيد بن أبي حبيب سنة (53) لكنه لم يأت في حديث آخر
ولم يصرح في هذا الحديث بالسماع، وهو يرسل فينبغي أن نتوقف فى سماعه من أبي
الطفيل.
وأما قول الحاكم رحمه الله: (فهؤلاء الأئمة ماكتبوه عن قتيبة إلا تعجبًا من سنده
ومتنه) فدعوى فإن أئمة الحديث رحمهم الله قد يكتبون الحديث ليتخذوه حجة عند الله،
وللتوقف فيه حتى يحصل له عاضد، وللنظر في مذهب المحدث، والظاهر هنا الأول، ذلك
لأنّهم لو علموا أن قتيبة واهم في هذا لراجعوه. كيف ويحيى بن معين قد اختبر شيخه
أبا نعيم الفضل بن دكين، والبخاري قد رد على بعض شيوخه، كما في مقدمة
"الفتح"، وقد ساق الخطيب بسنده إلى قتيبة أنه قال لأحمد بن محمد: ما
رأيت في كتابي من علامات الحمرة فهو علامة أحمد بن حنبل، وما رأيت فيه من الخضرة
فهو علامة يحيى بن معين.
وأما أبوحاتم رحمه الله فإنه اعتمد على شيئين: أحدهما: أنه لم يجد الحديث في مصر،
وإنما حدثه به قتيبة وهذا لا يمنع أن يتفرد قتيبة بحديث عن الليث، والثاني: أنه
عللها برواية أبي صالح عن الليث، عن هشام بن سعد. وأبوصالح هو عبدالله بن صالح
كاتب الليث، والكلام فيه معروف، وهشام هو ابن سعد مختلف فيه والراجح ضعفه إلا إذا
روى عن زيد بن أسلم فهذه الرواية لا تصلح أن تكون معلة لتلك الرواية.
هذا والجواب عن بقية المطاعن تؤخذ مما تقدم، وعلى كل فليس الاعتماد في المسألة على
حديث قتيبة ولكن على الأحاديث المتقدمة.
وبعد: فقد ترجح لي ضعف حديث قتيبة لإنكار كبار المحدثين على قتيبة وتوهيمه، ويغني
عنه ما تقدم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جمع جمْع تقديم بعرفة، ولأدلة
أخر. والحمد لله رب العالمين.

متابعات وشواهد

قال الإمام أبوداود رحمه الله في "سننه" (ج1 ص 27): حدثنا يزيد بن خالد
بن يزيد بن عبدالله بن موهب الرملي حدثنا المفضل بن فضالة والليث ابن سعد عن هشام
بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل عن معاذ بن جبل أنّ رسول الله صلى الله عليه
وعلى آله وسلم كان في غزوة تبوك إذا زاغت الشّمس قبل أن يرتحل جمع بين الظّهر
والعصر، وإن يرتحل قبل أن تزيغ الشّمس أخّر الظّهر حتّى ينْزل للعصر وفي المغرب
مثل ذلك إن غابت الشّمس قبل أن يرتحل جمع بين المغرب والعشاء، وإن يرتحل قبل أن
تغيب الشّمس أخّر المغرب حتّى ينْزل للعشاء ثمّ جمع بينهما.
تخريج الحديث:
أخرجه الدارقطني (ج1 ص362)، والبيهقي (ج3 ص 162) وأبونعيم في "الحلية"
(ج8 ص322).
والحديث في سنده هشام بن سعد، وهو ضعيف، وقد خالفه الحفاظ من أصحاب أبي الزبير
كمالك والثوري، وقرة بن خالد وغيرهم فلم يذكروا في روايتهم جمع التقديم قاله
الحافظ في "الفتح".
وأما قول الحافظ في "التلخيص": فقد خالفه أوثق الناس في أبي الزبير وهو
الليث بن سعد، فينظر فإنه وإن خالفه في المتن من طريق أخرى فقد روى عنه هذه الطريق
كما عند أبي داود.
هذا وفي الباب جملة أحاديث كما في "التلخيص"، و"زاد المعاد"
(ج1 ص163) وليس لدي وقت لذكرها بأسانيدها، ولكني أعرّج عليها مع بيان ما يظهر لي
فيها:
1- ما رواه أحمد والدارقطني والبيهقي من حديث ابن عباس وفيه حسين ابن عبدالله
الهاشمي ضعيف جدًا، وقد اتّهم بالزندقة كما في "ميزان الاعتدال"، وقد
اختلف عليه فيه.
2- كذلك ما رواه يحيى بن عبدالحميد الحمّاني في "مسنده"، عن أبي خالد
الأحمر، عن الحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس. ويحيى بن عبدالحميد الحمّاني
حافظ منكر الحديث، وقد وثّقه ابن معين وغيره. وقال أحمد: كان يكذب جهارًا. وقال
النسائي: ضعيف11. وحجاج هو ابن أرطأة ضعيف. والحكم هو ابن عتيبة، لم يسمع من مقسم
إلا خمسة أحاديث كما في "تهذيب التهذيب" ليس هذا منها.
وذكره ابن أبي حاتم في "العلل" (ج1 ص183) وقال: قال أبوزرعة: هو خطأ
إنما هو أبوخالد عن ابن عجلان، عن الحسين بن عبدالله، عن عكرمة ، عن ابن عباس.?
3- وروى إسماعيل القاضي في "الأحكام" عن إسماعيل بن أبي أويس، عن أخيه،
عن سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، عن كريب، عن ابن عباس نحوه.
وهذا أمثلها وإن كان قد تكلّم في إسماعيل بن أبي أويس.
4- عبدالله بن أحمد كما في "زوائد المسند" (ج1 ص136): قال عبدالله:
حدثني أبوبكر بن أبي شيبة حدثنا أبوأسامة عن عبدالله بن محمد بن عمر ابن علي بن
أبي طالب، عن أبيه، عن جده، أن عليًا رضي الله عنه كان يسير حتى إذا غربت الشمس
وأظلم، نزل فصلى المغرب، ثم العشاء على أثرها، ثم يقول: هكذا رأيت رسول الله صلى
الله عليه وعلى آله وسلم يصنع.
الحديث أخرجه أبوبكر بن أبي شيبة (ج2 ص458).
الكلام على بعض رجال السند:
عبدالله بن محمد بن عمر: قال الحافظ في "التقريب": مقبول من السادسة.
وقال الحافظ الذهبي في "الميزان": قال ابن المديني: هو وسط. وقال غيره:
صالح الحديث. وقال ابن سعد: يلقب دافن.
وقال الحافظ في ترجمة والده محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب: صدوق من السادسة،
وروايته عن جده مرسلة.
وقال في ترجمة عمر بن علي: ثقة. فهذا الحديث أقل أحواله أن يكون حسنًا لغيره.
وبهذا يتضح ثبوت الأحاديث في جمع التقديم.
هذا وأما ما يفعله بعض الناس ممن لا يبالي بدينه من الجمع بين الصلاتين في الحضر
من أجل القات، إنما يفعله من لا يبالي بدينه فإن الله عز وجل يقول: {إنّ الصّلاة
كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا} 12.
وفي "الصحيحين" من حديث ابن مسعود رضي الله عنه: أنّ النّبيّ صلى الله
عليه وعلى آله وسلم سئل أيّ الأعمال أفضل؟ قال: ((الصّلاة لوقتها)). وقد روى
الإمام أحمد، والنسائي، والترمذي، عن جابر رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه
وعلى آله وسلم جاءه جبريل فقال: قم فصلّه. فصلّى الظّهر حين زالت الشّمس، ثمّ جاءه
العصر، فقال: قم فصلّه. فصلّى العصر حين صار ظلّ كلّ شيء مثله، ثمّ جاءه المغرب
فقال: قم فصلّه. فصلّى المغرب حين وجبت الشّمس، ثمّ جاءه العشاء فقال: قم فصلّه.
فصلّى العشاء حين غاب الشّفق، ثمّ جاءه الفجر فقال: قم فصلّه. فصلّى حين برق
الفجر، أو قال: حين سطع الفجر، ثمّ جاءه من الغد للظّهر فقال: قم فصلّه. فصلّى
الظّهر حين صار ظلّ كلّ شيء مثله، ثمّ جاءه للعصر فقال: قم فصلّه، فصلّى العصر حين
صار ظلّ كلّ شيء مثليه، ثمّ جاءه للمغرب المغرب وقتًا واحدًا لم يزل عنه، ثمّ جاءه
العشاء حين ذهب نصف اللّيل، أو قال: ثلث اللّيل فصلّى العشاء، ثمّ جاءه حين أسفر
جدًّا، فقال: قم فصلّه. فصلّى الفجر.
وقال الترمذي: إنّ البخاري قال: إنه أصح شيء في الباب. ? "نيل الأوطار".
وروى الإمام أحمد، ومسلم، وأبوداود، والنسائي عن أبي موسى، عن النّبيّ صلى الله
عليه وعلى آله وسلم قال: وأتاه سائل يسأله عن مواقيت الصّلاة، فلم يردّ عليه
شيئًا، وأمر بلالاً فأقام الفجر حين انشقّ الفجر، والنّاس لا يكاد يعرف بعضهم
بعضًا، ثمّ أمره فأقام الظّهر حين زالت الشّمس، والقائل يقول: انتصف النّهار أو لم
وكان أعلم منهم، ثمّ أمره فأقام العصر والشّمس مرتفعة، ثمّ أمره فأقام المغرب حين
وقبت الشّمس، ثمّ أمره فأقام العشاء حين غاب الشّفق، ثمّ أخّر الفجر من الغد حتّى انصرف
منها والقائل يقول: طلعت الشّمس أو كادت، وأخّر الظّهر حتّى كان قريبًا من وقت
العصر بالأمس، ثمّ أخّر العصر فانصرف منها، والقائل يقول: قد احمرّت الشّمس، ثمّ
أخّر المغرب حتّى كان عند سقوط الشّفق، وفي لفظ: فصلّى المغرب قبل أن يغيب الشّفق،
أخّر العشاء حتّى كان ثلث اللّيل الأوّل، ثمّ أصبح فدعا السّائل فقال: ((الوقت
فيما بين هذين)).
قال صاحب "منتقى الأخبار": وروى الجماعة إلا البخاري نحوه من حديث بريدة
الأسلمي.
قال الشوكاني رحمه الله: حديث بريدة صححه الترمذي ولفظه: أنّ رجلاً سأل رسول الله
صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن وقت الصّلاة، فقال له: ((صلّ معنا هذين الوقتين))
فلمّا زالت الشّمس أمر بلالاً فأذّن، ثمّ أمره فأقام الظّهر، ثمّ أمره فأقام العصر
والشّمس مرتفعة بيضاء نقيّة، ثمّ أمره فأقام المغرب حين غابت الشّمس، ثمّ أمره
فأقام العشاء حين غاب الشّفق، ثمّ أمره فأقام الفجر حين طلع الفجر، فلمّا أن كان
اليوم الثّاني أمره فأبرد بالظّهر، أو أنعم أن يبرد بها ، وصلّى العصر والشّمس
مرتفعة أخّرها فوق الّذي كان، وصلّى المغرب قبل أن يغيب الشّفق، وصلّى العشاء
بعدما ذهب ثلث اللّيل، وصلّى الفجر فأسفر بها، ثمّ قال: ((أين السّائل عن وقت
الصّلاة))؟ فقال الرّجل: أنا يا رسول الله، قال: ((وقت صلاتكم بين ما رأيتم)).?
فهذه الأحاديث تدل على أن الله جعل لكل صلاة وقتًا.
وقد قال محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني: وأمّا الجمع في الحضر فقال الشارح13 بعد
ذكر أدلة القائلين بجوازه فيه: إنه ذهب أكثر الأئمة إلى أنه لا يجوز الجمع في
الحضر لما تقدم من الأحاديث المبيّنة لأوقات الصلاة، ولما تواتر من محافظة النبي
صلى الله عليه وعلى آله وسلم على أوقاتها، حتى قال ابن مسعود: ما رأيت النبي صلى
الله عليه وعلى آله وسلم صلى صلاة لغير ميقاتها، إلا صلاتين جمع بين المغرب
والعشاء بجمع، وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها.
وأما حديث ابن عباس عند مسلم: أنّه جمع14 بين الظّهر والعصر، والمغرب والعشاء
بالمدينة من غير خوف ولا مطر. قيل لابن عبّاس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد ألاّ
يحرج أمّته. فلا يصح الاحتجاج به لأنه غير معين لجمع التقديم والتأخير كما هو ظاهر
رواية مسلم، وتعيّن واحد منهما تحكّم فوجب العدول عنه إلى ما هو واجب من البقاء
على العموم
في حديث الأوقات للمعذور وغيره، وتخصيص المسافر لثبوت المخصّص وهذا هو الجواب
الحاسم.
وأما ما يروى من الآثار عن الصحابة والتابعين بغير حجة إذ للاجتهاد في ذلك مسرح،
وقد أوّل بعضهم حديث ابن عباس بالجمع الصوري واستحسنه القرطبي ورجحه، وجزم به ابن
الماجشون، والطحاوي، وقوّاه ابن سيد الناس لما أخرجه الشيخان عن عمرو بن دينار
-راوي الحديث- عن أبي الشعثاء قال: قلت: يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر وعجل
العصر، وأخر المغرب وعجل العشاء. قال: وأنا أظنه. قال ابن سيد الناس: وراوي الحديث
أدرى هو بالمراد منه من غيره وإن لم يجزم أبوالشعثاء بذلك.
وأقول15: إنما هو ظن من الراوي، والذى يقال فيه: (أدرى بما روى) إنما يجري في
تفسيره للفظ مثلاً. على أن في هذه الدعوى نظر فإن قول النبي صلى الله عليه وعلى
آله وسلم: ((فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه)). يرد عمومها، نعم يتعين هذا
التأويل، فإنه صرح به النسائي في أصل حديث ابن عباس ولفظه: صلّيت مع النّبيّ صلى
الله عليه وعلى آله وسلم بالمدينة ثمانيًا جمعًا، وسبْعًا جمعًا، أخّر الظّهْر وعجّل
العصْر، وأخّر المغرب وعجّل العشاء.
والعجب من النووي كيف ضعف هذا التأويل وغفل16 عن متن الحديث المروي، والمطلق في
رواية يحمل على المقيّد إذا كانا في قصة واحدة، كما في هذا. والقول بأن قوله:
(أراد ألاّ يحرج أمّته)، يضعّف هذا الجمع الصوري لوجود الحرج فيه. مدفوع بأن ذلك
أيسر من التوقيت، إذ يكفي للصلاتين تأهب واحد، وقصد واحد إلى المسجد، ووضوء واحد
بحسب الأغلب، بخلاف الوقتين فالحرج في هذا الجمع لا شك أخف، وأما قياس الحاضر على
المسافر كما قيل فوهم، لأن العلة في الأصل هي السفر، وهي غير موجود في الفرع، وإلا
لزم مثله في القصر والقطر.?
قال الصنعاني رحمه الله: قلت: وهو كلام رصين وقد كنا ذكرنا ما يلاقيه في رسالتنا
"اليواقيت في المواقيت" قبل الوقوف على كلام الشارح، رحمه الله وجزاه
خيرًا، ثم قال -أي الشارح-: واعلم أن جمع التقديم فيه خطر عظيم، وهو كمن صلى
الصلاة قبل دخول وقتها، فيكون حال الفاعل كما قال الله: {وهمْ يحسبون أنّهم
يحْسنون صنعًا} 17الآية. من ابتدائها وهذه الصلاة المقدمة لا دلالة عليها بمنطوق
ولا مفهوم ولا عموم ولا خصوص.?
وذكر العلامة الشوكاني في "نيل الأوطار" نحو ذلك.
ولكن الاستدلال برواية النسائي التي ذكرت الجمع الصوري متوقف على جمع الطرق، إذ
الرواية في "الصحيح" ليس فها الجمع الصوري مرفوعًا، والمخرج واحد، فيخشى
أن يكون أدرجه بعضهم والله أعلم. فالراجح أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم
فعله في النادر، وعليه فلا بأس بفعله في النادر لا كما يفعل أصحاب القات.
فجدير بأسارى القات المضيعين للصلوات الذين يخشى أن يصدق على كثير منهم قوله
تعالى: {فخلف من بعدهم خلْف أضاعوا الصّلاة واتّبعوا الشّهوات فسوف يلْقون غيًّا}?
18. وقوله تعالى: {فويل للمصلّين الّذين هم عن صلاتهم ساهون} 19. جدير بهم أن
يستفيدوا من كلام هؤلاء العلماء اليمنيين وأن يصلّوا كل صلاة في وقتها.
وإن تعجب فعجب أن ترى من أهل العلم من يدافع عن هذه الشجرة الأثيمة التى ألهت
كثيرًا من المجتمع اليمني عن أداء الصلوات في أوقاتها، وأضرّت باقتصادهم وبعقولهم،
فكم من مجنون يصل إلى الأطباء ويقول الطبيب: سببه القات. نعم، وضيّعت أوقاتهم،
فنصف الوقت للقات، تجدهم في مجالسهم يقضمونه كما تقضم المعزى المرعى، ولقد أحسن من
قال:
إنّما القات حشيش أخضر فـإذا ما أكلتـه أمّـة ليس يحتاج إليه?البشر
فاعذروهم إنّما هم بقـر ولأخينا في الله عائض مسمار رسالة في بيان أضرار القات
أنصح بقراءتها.

الصلاتان اللتان تجمعان لهما أذان واحد ولكل واحد منهما إقامة

قال الإمام مسلم رحمه الله (ج8 ص170): حدثنا أبوبكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم
جميعًا عن حاتم قال أبوبكر حدثنا حاتم بن إسماعيل المدني عن جعفر بن محمد، عن أبيه
قال: دخلنا على جابر بن عبدالله، ثم ذكر لهم جابر بن عبدالله حديثه الطويل في صفة
حجة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وفيه في عرفة: ثمّ أذّن، ثمّ أقام، فصلّى
الظّهر، ثمّ أقام فصلّى العصر، ولم يصلّ بينهما شيئًا. وفيه: حتّى أتى المزدلفة
فصلّى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبّح بينهما شيئًا.
واعلم أنّها قد اختلفت الأحاديث في الأذان والإقامة للصلاتين اللتين تجمعان.
قال ابن القيم رحمه الله في "تهذيب السنن" (ج2 ص400): وذهب سفيان الثوري
وجماعة إلى أنه يصليهما بإقامة واحدة لهما، كما جاء في بعض روايات حديث ابن عمر.
قال ابن عبدالبر: وهو محفوظ من روايات الثقات: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله
وسلم صلّى المغرب والعشاء بجمع، بإقامة واحدة.
قلت: وقد ثبت ذلك عن ابن عباس أنّ النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلّى
الصّلاتين بالمزدلفة بإقامة واحدة.
وقال مالك: يصليهما بأذانين وإقامتين، وهو مذهب ابن مسعود. وفي
"صحيح البخاري" من حديث ابن مسعود أنه صلى الصلاتين كل واحدة وحدها
بأذان وإقامة.
قال ابن المنذر: روي هذا عن عمر رضي الله عنه.
قال ابن عبدالبر: ولا أعلم في ذلك حديثًا مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وعلى
آله وسلم بوجه من الوجوه، ولكنه روي عن عمر بن الخطاب أنه صلاهما بالمزدلفة كذلك.
ومذهب إسحاق وسالم والقاسم: أنه يصليهما بإقامتين فقط. وحجّتهم: حديث ابن عمر
المتقدم، وهو رواية عن أحمد.
ومذهب أحمد، والشافعي في الأصح عنه، وأبي ثور، وعبدالملك الماجشون، والطحاوي أنه
يصليهما بأذان واحد وإقامتين وحجتهم: حديث جابر الطويل. وقد تكلّف قوم الجمع بين
هذه الأحاديث بضروب من التكلف.
وعن ابن عمر في ذلك ثلاث روايات. إحداهن: أنه جمع بينهما بإقامتين فقط. والثانية:
أنه جمع بينهما بإقامة واحدة لهما. وقد ذكر أبوداود الروايتين. والثالثة: أنه
صلاهما بلا أذان ولا إقامة، ذكر ذلك البغوي: حدثنا الحجاج بن المنهال حدثنا حماد
بن سلمة، عن أنس بن سيرين قال: وقفت مع ابن عمر بعرفة وكان يكثر أن يقول: لا إله
إلاّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير. فلمّا
أفضْنا من عرفة دخل الشعب فتوضأ ثم جاء إلى جمع فعرض راحلته ثم قال: الصّلاة.
فصلّى المغرب ولم يؤذّنْ ولم يقمْ، ثم سلّم، ثم قال: الصّلاة. ثم صلى العشاء ولم
يؤذّن ولم يقمْ.
والصحيح في ذلك كله: الأخذ بحديث جابر، وهو الجمع بينهما بأذان وإقامتين لوجهين
اثنين:
أحدهما: أن الأحاديث سواه مضطربة مختلفة، فهذا حديث ابن عمر في غاية الاضطراب كما
تقدم، فروي عن ابن عمر من فعله: الجمع بينهما بلا أذان ولا إقامة، وروي عنه الجمع
بينهما بإقامة واحدة، وروي عنه الجمع بينهما بأذان واحد وإقامة واحدة، وروي عنه
مسندًا إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: الجمع بينهما بإقامة واحدة. وروي عنه
مرفوعًا: الجمع بينهما بإقامتين، وعنه أيضًا مرفوعًا الجمع بينهما بأذان واحد
وإقامة واحدة لهما، وعنه مرفوعا الجمع بينهما دون ذكر أذان ولا إقامة، وهذه
الروايات صحيحة عنه فيسقط الأخذ بها لاختلافها واضطرابها.
وأما حديث ابن مسعود فإنه موقوف عليه من فعله.
وأما حديث ابن عباس فغايته أن يكون شهادة على نفي الأذان والإقامة الثابتين، ومن
أثبتهما فمعه زيادة علم وقد شهد على أمر ثابت عاينه وسمعه.
وأما حديث أسامة فليس فيه الإتيان بعدد الإقامة لهما، وسكت عن الأذان وليس سكوته
عنه مقدمًا على حديث من أثبته سماعًا صريحًا، بل لو نفاه جملة لقدّم عليه حديث من
أثبته لتضمنه زيادة علم خفيت على النافي.
الوجه الثاني: أنه قد صح من حديث جابر في جمعه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعرفة:
أنه جمع بينهما بأذان وإقامتين، ولم يأت في حديث ثابت قط خلافه، والجمع بين
الصلاتين بمزدلفة كالجمع بينهما بعرفة، لا يفترقان إلا في التقديم والتأخير، فلو
فرضنا تدافع أحاديث الجمع بمزدلفة جملةً لأخذنا حكم الجمع من الجمع في عرفة.

مسائل وفوائد يحتاجها المسافر

الأولى: كثيرًا ما يسأل عن صلاة المسافر خلف المقيم هل يقصر أو يتم؟
فالجواب: أنه يتابع الإمام، لما رواه الإمام أحمد في
"مسنده" بسند حسن عن موسى بن سلمة قال: كنّا مع ابن عبّاس بمكّة، فقلت:
إنّا إذا كنّا معكم صلّينا أربعًا، وإذا رجعْنا إلى رحالنا صلّينا ركعتين، قال:
تلك سنّة أبي القاسم صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وأصل الحديث في "صحيح مسلم".
الثانية: قصر الرباعية إلى ركعتين واجب.
قال ابن القيم رحمه الله في "زاد المعاد" (ج1 ص158):
فصل في صلاته صلى الله عليه وعلى آله وسلم في السفر
وكان يقصر الرباعية فيصليها ركعتين من حين خرج مسافرًا إلى أن يرجع إلى المدينة،
ولم يثبت عنه أنه أتم الرباعية في سفره البتة، وأما حديث عائشة: أنّ النّبيّ صلى
الله عليه وعلى آله وسلم كان يقصر في السّفر ويتمّ، ويفطر ويصوم. فلا يصح. وسمعت
شيخ الاسلام ابن تيمية يقول: هو كذب على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
انتهى.
وقد روي: (كان يقصر وتتمّ) الأول بالياء، والثاني بالتاء المثناة من فوق، وكذا
(يفطر وتصوم)، أي: تأخذ هي بالعزيمة في الموضعين، قال شيخنا ابن تيمية: وهذا باطل
ما كانت أم المؤمنين لتخالف رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وجميع أصحابه
فتصلي خلاف صلاتهم، كيف والصحيح عنها: (أنّ الله فرض الصّلاة ركعتين ركعتين، فلما
هاجر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى المدينة زيد في صلاة الحضر وأقرّت
صلاة السفر). فكيف يظن بها مع ذلك أن تصلي خلاف صلاة النبي صلى الله عليه وعلى آله
وسلم والمسلمين معه.
قلت: وقد أتمت عائشة بعد موت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال ابن عباس
وغيره إنّها تأولت كما تأول عثمان، وإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان
يقصر دائمًا، فركّب بعض الرواة من الحديثين حديثًا وقال: (فكان رسول الله صلى الله
عليه وعلى آله وسلم يقصر وتتمّ هي). فغلط بعض الرواة فقال: (كان يقصر ويتمّ)، أي:
هو.
والتأويل الذي تأولته قد اختلف فيه فقيل: ظنّت أن القصر مشروط بالخوف في السفر،
فإذا زال الخوف زال سبب القصر، وهذا التأويل غير صحيح فإن النبي صلى الله عليه
وعلى آله وسلم سافر آمنًا وكان يقصر الصلاة. والآية قد أشكلت على عمر رضي الله عنه
وعلى غيره، فسأل عنها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأجابه بالشفاء، وأن
هذا صدقة من الله وشرع للأمة، وكان هذا بيان أن حكم المفهوم غير مراد، وأن الجناح
مرتفع في قصر الصلاة عن الآمن والخائف، وغايته أنّه نوع تخصيص للمفهوم، أو رفع له،
وقد يقال: إن الآية اقتضت قصرًا يتناول قصر الأركان بالتخفيف، وقصر العدد بنقصان
ركعتين، وقيد ذلك بأمرين: الضرب بالأرض والخوف، فإذا وجد الأمران أبيح القصران
فيصلون صلاة الخوف مقصورةً عددها وأركانها، وإن انتفى الأمران فكانوا آمنين مقيمين
انتفى القصران فيصلون صلاة تامة كاملة، وإن وجد أحد السببين ترتب عليه قصره وحده،
فإذا وجد الخوف والإقامة قصرت الأركان واستوفى العدد، وهذا نوع قصر، وليس بالقصر
المطلق في الآية، فإنْ وجد السفر والأمن، قصر العدد واستوفى الأركان، وسميت صلاة
أمن، وهذا نوع قصر وليس بالقصر المطلق، وقد تسمى هذه الصلاة مقصورةً باعتبار نقصان
العدد، وقد تسمى تامةً باعتبار إتمام أركانها، وأنّها لم تدخل في قصر الآية،
والأول: اصطلاح كثير من الفقهاء المتأخرين، والثاني: يدلّ عليه كلام الصحابة
كعائشة وابن عباس وغيرهما. قالت عائشة: فرضت الصّلاة ركعتين ركعتين فلمّا هاجر
رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى المدينة زيد في صلاة الحضر، وأقرّتْ
صلاة السفر.
فهذا يدل على أن صلاة السفر عندها غير مقصورة من أربع، وإنما هي مفروضة كذلك، وأنّ
فرض المسافر ركعتان.
وقال ابن عباس: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين
وفي الخوف ركعة. متفق على حديث عائشة، وانفرد مسلم بحديث ابن عباس.
وقال عمر رضي الله عنه: صلاة السفر ركعتان، والجمعة ركعتان، والعيد ركعتان، تمام
غير قصر على لسان محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقد خاب من افترى. وهذا ثابت
عن عمر رضى الله عنه20 وهو الذي سأل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ما بالنا
نقصر وقد أمنّا؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((صدقة تصدّق
الله بها عليكم فاقبلوا صدقته)).
ولا تناقض بين حديثيه فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما أجابه بأن هذه
صدقة الله عليكم ودينه اليسر السمح. علم عمر أنه ليس المراد من الآية قصر العدد
كما فهمه كثير من الناس فقال: صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر.
وعلى هذا فلا دلالة في الآية على أن قصر العدد مباح منفيّ عنه الجناح، فإن شاء
المصلي فعله، وإن شاء أتم.
وكان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يواظب في أسفاره على ركعتين ركعتين،
ولم يربّعْ قط إلا شيئًا فعله في بعض صلاة الخوف كما سنذكره هناك ونبين ما فيه إن
شاء الله تعالى.
وقال أنس: خرجنا مع النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم من المدينة إلى مكّة،
فكان يصلّي ركعتين ركعتين، حتّى رجعنا إلى المدينة. متفق عليه.
ولما بلغ عبدالله بن مسعود أن عثمان بن عفان صلى بمنىً أربع ركعات قال: إنّا لله
وإنّا إليه راجعون، صلّيت مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمنًى ركعتين،
ومع أبي بكر بمنًى ركعتين، ومع عمر بن الخطّاب ركعتين، فليْت حظّي منْ أرْبع
ركْعات ركعتان متقبّلتان. متفق عليه.
ولم يكن ابن مسعود ليسترجع من فعل عثمان أحد الجائزين المخير بينهما، بل الأولى
على قول، وإنما استرجع لما شاهده من مداومة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم
وخلفائه على صلاة ركعتين في السفر. ?
الفائدة الثالثة: قال ابن القيم رحمه الله في "زاد المعاد"
(ج1 ص161): وكان من هديه صلى الله عليه وعلى آله وسلم الاقتصار على الفرض، ولم
يحفظ عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه صلى سنة الصلاة قبلها ولا بعدها، إلا ما
كان من الوتر وسنة الفجر، فإنه لم يكن ليدعها حضرًا ولا سفرًا. قال ابن عمر: وقد
سئل عن ذلك فقال: صحبت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلم أره يسبح في السفر،
وقال الله عز وجل: {لقد كان لكم في رسول الله أسْوة حسنة21} ومراده بالتسبيح السنة
الراتبة. وإلا فقد صح عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه كان يسبح على ظهر
راحلته حيث كان وجهه.
وفي "الصحيحين" عن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم
يصلّي في السّفر على راحلته حيث توجّهت به، يومئ إيماءً صلاة اللّيل إلاّ الفرائض،
ويوتر على راحلته.
قال الشافعي رحمه الله: وثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه كان يتنفّل
ليلاً وهو يقصر. وفي "الصحيحين" عن عامر بن ربيعة: أنّه رأى النّبيّ صلى
الله عليه وعلى آله وسلم يصلّي السّبْحة باللّيل في السّفر على ظهْر راحلته. فهذا
قيام الليل.
وسئل الإمام أحمد رحمه الله عن التطوع في السفر؟ فقال: أرجو أن لا يكون بالتطوع في
السفر بأس.
وروي عن الحسن قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يسافرون فيتطوعون
قبل المكتوبة وبعدها. وروي هذا عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وجابر، وأنس، وابن عباس،
وأبي ذر.
وأما ابن عمر فكان لا يتطوع قبل الفريضة ولا بعدها، إلاّ من جوف الليل مع الوتر.
وهذا هو الظاهر من هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه كان لا يصلي قبل
الفريضة المقصورة ولا بعدها شيئًا، ولكن لم يكن يمنع من التطوع قبلها ولا بعدها،
فهو كالتطوع المطلق لا أنه سنة راتبة للصلاة، كسنة صلاة الإقامة. ويؤيد هذا أن
الرباعية قد خففت إلى ركعتين تخفيفًا على المسافر فكيف يجعل لها سنة راتبة يحافظ
عليها، وقد خفف الفرض إلى ركعتين، فلولا قصد التخفيف على المسافر، وإلا كان
الإتمام أولى به. ولهذا قال عبدالله بن عمر: لو كنْت مسبحًا لأتممت. وقد ثبت عنه
صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه صلى يوم الفتح ثماني ركعات ضحًى وهو إذ ذاك
مسافر.
وأما مارواه أبوداود في "السنن" من حديث الليث، عن صفوان بن سليم، عن
أبي بسرة الغفاري، عن البراء بن عازب قال: سافرت مع
رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثمانية عشر سفرًا، فلم أره ترك ركعتين عند
زيغ الشّمس قبل الظّهر.
قال الترمذي: هذا حديث غريب. قال: وسألت محمدًا عنه فلم يعرفه إلا من حديث الليث
بن سعد، ولم يعرف اسم أبي بسْرة، ورآه حسنًا. وبسرة: بالباء الموحدة المضمومة
وسكون السين المهملة.
وأما حديث عائشة رضي الله عنها أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان لا يدع
أربعًا قبل الظهر وركعتين بعدها. فرواه البخاري في "صحيحه"، ولكنه ليس
بصريح لفعله ذلك في السفر، ولعلها أخبرتْ عن أكثر أحواله وهو الإقامة، والرجال
أعلم بسفره من النساء، وقد أخبر ابن عمر أنه لم يزد على ركعتين، ولم يكن ابن عمر
يصلي قبلها ولا بعدها شيئًا. والله أعلم.?
الفائدة الرابعة: قال ابن القيم رحمه الله في "زاد المعاد" (ج1 ص162):
فصل في صلاة التطوع على الراحلة، وكان من هديه صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلاة
التطوع على راحلته حيث توجهت به، وكان يومئ إيماءً برأسه في ركوعه، وسجوده أخفض من
ركوعه. وروى أحمد وأبوداود عنه من حديث أنس أنه كان يستقبل بناقته القبلة عند
تكبيرة الإفتتاح، ثم يصلي سائر الصلاة حيث توجهت به. وفي هذا الحديث نظر، وسائر من
وصف صلاته صلى الله عليه وعلى آله وسلم على راحلته أطلقوا أنه كان يصلي عليها قبل
أي جهة توجهت به، ولم يستثنوا من ذلك تكبيرة الإحرام ولا غيرها، كعامر بن ربيعة،
وعبدالله بن عمر، وجابر بن عبدالله، وأحاديثهم أصح من حديث أنس هذا، والله أعلم.
وصلى على الراحلة وعلى الحمار إن صح عنه. وقد رواه مسلم في
"صحيحه22" من حديث ابن عمر، وصلى الفرض بهم على الرواحل لأجل المطر
والطين إن صح الخبر بذلك. وقد رواه أحمد والترمذي والنسائي أنه عليه الصلاة
والسلام انتهى إلى مضيق هو وأصحابه وهو على راحلته، والسماء من فوقهم، والبلة من
أسفل منهم، فحضرت الصلاة، فأمر المؤذن فأذن وأقام، ثم تقدم رسول الله صلى الله
عليه وعلى آله وسلم على راحلته فصلى بهم يومئ إيماءً، فجعل السجود أخفض من الركوع.
قال الترمذي: حديث غريب تفرد به عمر بن الرماح، وثبت ذلك عن أنس من فعله.
الفائدة الخامسة: المسافر المستمر في السفر كالسائق، حكمه حكم المسافر غير
المستمر، لعموم الأدلة، فيجب عليه أن يقصر، وله أن يفطر في رمضان كما يقول الله
سبحانه وتعالى: {فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدّة من أيّام أخر23}.

حد السفر الذي يجب به القصر ويباح به الإفطار

قال شيخ الإسلام رحمه الله كما في (ج24 ص38) من "مجموع الفتاوى": وهذا
مما اضطرب الناس فيه. قيل: ثلاثة أيام، وقيل: يومين قاصدين. وقيل: أقل من ذلك. حتى
قيل: ميل. والذين حددوا ذلك بالمسافة منهم من قال: ثمانية وأربعون ميلاً. وقيل:
ستة وأربعون ميلاً. وقيل: خمسة وأربعون. وقيل: أربعون، وهذه أقوال عن مالك. وقد
قال أبومحمد المقدسي: لا أعلم لما ذهب إليه الأئمة وجهًا، وهو كما قال رحمه الله
فإن التحديد بذلك ليس ثابتًا بنص ولا إجماع ولا قياس. وعامة هؤلاء يفرقون بين
السفر الطويل والقصير، ويجعلون ذلك حدًا للسفر الطويل، ومنهم من لا يسمي سفرًا إلا
ما بلغ هذا الحد وما دون ذلك لا يسميه سفرًا.
فالذين قالوا: ثلاثة أيام، احتجوا بقوله: ((يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن)).
وقد ثبت عنه في "الصحيحين" أنه قال: ((لا تسافر امرأة مسيرة ثلاثة أيّام
إلا ومعها ذو محرم)). وقد ثبت عنه في "الصحيحين" أنه قال:
((مسيرة يومين)). وثبت في "الصحيح": ((مسيرة يوم))، وفي
"السنن": ((بريدًا)) فدل على أن ذلك كله سفر، وإذنه له في المسح ثلاثة
أيام إنما هو تجويز لمن سافر ذلك، وهو لا يقتضي أن ذلك أقل السفر، كما أذن للمقيم
أن يمسح يومًا وليلة وهو لا يقتضي أن ذلك أقل الإقامة.
والذين قالوا: يومين، اعتمدوا على قول ابن عمر، وابن عباس. والخلاف في ذلك مشهور
عن الصحابة حتى عن ابن عمر، وابن عباس. وما روي: ((ياأهل مكّة لا تقصروا في أقلّ
من أربعة برد من مكة إلى عسفان)). إنما هو من قول ابن عباس. ورواية ابن خزيمة
وغيره له مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم باطل بلا شك عند أئمة أهل
الحديث. وكيف يخاطب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أهل مكة بالتحديد، وإنما
أقام بعد الهجرة زمنًا يسيرًا، وهو بالمدينة لا يحد لأهلها حدًا كما حده لأهل مكة،
وما بال التحديد يكون لأهل مكة دون غيرهم من المسلمين.
وأيضًا فالتحديد بالأميال والفراسخ يحتاج إلى معرفة مقدار مساحة الأرض، وهذا أمر
لا يعلمه إلا خاصة الناس، ومن ذكره فإنما يخبر به عن غيره تقليدًا وليس هو مما
يقطع به، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يقدر الأرض بمساحة أصلاً فكيف
يقدر الشارع لأمته حدًا لم يجر له ذكر في كلامه وهو مبعوث إلى جميع الناس، فلا بد
أن يكون مقدار السفر معلومًا علمًا عامًا، وذرع الأرض مما لا يمكن، بل هو إما
متعذر وإما متعسر، لأنه إذا أمكن الملوك ونحوهم مسح طريق فإنما يمسحونه على خط
مستو أو خطوط منحنية انحناءً مضبوطًا، ومعلوم أن المسافرين قد يعرفون غير تلك
الطريق، وقد يسلكون غيرها وقد يكون في المسافة صعود، وقد يطول سفر بعضهم لبطء
حركته، ويقصر سفر بعضهم لسرعة حركته، والسبب الموجب هو نفس السفر لا نفس مساحة
الأرض.
والموجود في كلام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم والصحابة في تقدير الأرض
بالأزمنة كقوله في الحوض: ((طوله شهر وعرضه شهر)) وقوله: ((بين السّماء والأرض
خسمائة سنة24)) وفى حديث آخر: ((إحدى أو اثنتان أو ثلاث وسبعون
سنة))، فقيل: الأول: بالسير المعتاد سير الإبل والأقدام، والثاني: سير البريد،
فإنه في العادة يقطع بقدر المعتاد سبع مرات. وكذلك الصحابة يقولون: يوم تام،
ويومان. ولهذا قال من حده بثمانية وأربعين ميلاً: مسيرة يومين قاصدين بسير الإبل
والأقدام، لكن هذا لا دليل عليه.
وإذا كان كذلك فنقول: كل اسم ليس له حدّ في اللغة ولا في الشرع فالمرجع فيه إلى
العرف. فما كان سفرًا في عرف الناس فهو السفر الذى علق به الشارع الحكم، وذلك مثل
سفر أهل مكة إلى عرفة، فإن هذه المسافة بريد وهذا سفر ثبت فيه جواز القصر والجمع
بالسنة والبريد هو نصف يوم بسير الإبل والأقدام وهو ربع مسافة يومين وليلتين، وهو
الذي قد يسمى مسافة القصر، وهو الذي يمكن الذاهب إليها أن يرجع من يومه.
وأما ما دون هذه المسافة إن كانت مسافة القصر محدودة بالمساحة فقد قيل: يقصر في
ميل، وروي عن ابن عمر أنه قال: لو سافرت ميلاً لقصرت. قال ابن حزم: لم نجد أحدًا
يقصر في أقل من ميل، ووجد ابن عمر وغيره يقصرون في هذا القدر، ولم يحد الشارع في
السفر حدًا. فقلنا بذلك اتباعًا للسنة المطلقة، ولم نجد أحدًا يقصر بما دون الميل،
ولكن هو على أصله، وليس هذا إجماعًا فإذا كان ظاهر النص يتناول ما دون ذلك. لم
يضره أن يعرف أحدًا ذهب إليه كعادته في أمثاله.
وأيضًا فليس في قول ابن عمر أنه لا يقصر في أقل من ذلك. وأيضًا فقد ثبت عن ابن عمر
أنه كان لا يقصر في يوم أو يومين، فإما أن تتعارض أقواله أو تحمل على اختلاف
الأحوال، والكلام في مقامين:
المقام الأول: أن من سافر مثل سفر أهل مكة إلى عرفات يقصر، وأما إذا قيل: ليست
محدودة بالمسافة، بل الاعتبار بما هو سفر، فمن سافر ما يسمى سفرًا، قصر، وإلا فلا.
وقد يركب الرجل فرسخًا يخرج به لكشف أمر وتكون المسافة أميالاً، ويرجع في ساعة أو
ساعتين، ولا يسمى مسافرًا، وقد يكون غيره في مثل تلك المسافة مسافرًا بأن يسير على
الإبل والأقدام سيرًا، لا يرجع فيه ذلك اليوم إلى مكانه، والدليل على ذلك من وجوه:
أحدها: أنه قد ثبت بالنقل الصحيح المتفق عليه بين علماء أهل الحديث أنّ النبي صلى
الله عليه وعلى آله وسلم في حجة الوداع كان يقصر الصلاة بعرفة ومزدلفة، وفي أيام
منى، وكذلك أبوبكر وعمر بعده، وكان يصلي خلفهم أهل مكة ولم يأمروهم بإتمام الصلاة،
ولا نقل أحد لا بإسناد صحيح ولا ضعيف أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال
لأهل مكة لما صلى بالمسلمين ببطن عرنة الظهر ركعتين قصرًا وجمعًا ثم العصر ركعتين:
ياأهل مكة أتموا صلاتكم. ولا أمرهم بتأخير صلاة العصر، ولا نقل أحد أن أحدًا من الحجيج
لا أهل مكة ولا غيرهم صلى خلف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خلاف ما صلى
بجمهور المسلمين، أو نقل أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو عمر قال في هذا
اليوم: ياأهل مكة أتموا صلاتكم، فإنا قوم سفر. فقد غلط وإنما نقل أن النبي صلى
الله عليه وعلى آله وسلم قال هذا في جوف مكة25 لأهل مكة عام الفتح.
وقد ثبت أن عمر بن الخطاب قاله لأهل مكة لما صلى في جوف مكة، ومن المعلوم أنه لو
كان أهل مكة قاموا فأتموا وصلوا أربعًا، وفعلوا ذلك بعرفة ومزدلفة وبمنى أيام منى
لكان مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله بالضرورة، بل لو أخروا صلاة العصر ثم
قاموا دون سائر الحجاج فصلوها قصرًا لنقل ذلك، فكيف إذا أتموا الظهر أربعًا من دون
المسلمين.
وأيضًا فإنّهم إذا أخذوا في إتمام الظهر والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد
شرع في العصر لكان إما أن ينتظرهم فيطيل القيام، وإما أن يفوتهم معه بعض العصر، بل
أكثرها، فكيف إذا كانوا يتمّون الصلوات، وهذا حجة على كل أحد وهو على من يقول: إن
أهل مكة جمعوا معه أظهر، وذلك أن العلماء تنازعوا في أهل مكة يقصرون ويجمعون بعرفة
على ثلاثة أقوال:
فقيل لا يقصرون ولا يجمعون، وهذا هو المشهور عند أصحاب الشافعي وطائفة من أصحاب
أحمد كالقاضي في "المجرد" وابن عقيل في "الفصول" لاعتقادهم أن
ذلك معلق بالسفر الطويل وهذا قصير.
والثاني: أنّهم يجمعون ولا يقصرون. هذا مذهب أبي حنيفة وطائفة من أصحاب أحمد، ومن
أصحاب الشافعي والمنقولات عن أحمد توافق هذا، فإنه أجاب في غير موضع بأنّهم لا
يقصرون، ولم يقل: لا يجمعون. وهذا هو ا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sayedmobark.yoo7.com
 
الجمع بين الصلاتين في السفر للشيخ مقبل الوادعي(2)
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
موقع الكاتب المصري سيد مبارك :: مكتبة الدرسات و الأبحاث الشرعية والعلمية :: أبحاث ودراسات حديثية-
انتقل الى: